مفتاح دار السعادة

فصل١

ثمَّ تأمَّل إذا نصبتَ خيمةً أو فُسطاطًا كيف تُمِدُّه٢ من كلِّ جانبٍ بالأطنابِ ليثبُتَ فلا يسقُط ولا يتعوَّج.

فهكذا تجدُ النَّبات والشجرَ له عروقٌ ممتدَّةٌ في الأرض منتشرةٌ إلى كلِّ جانبٍ لتُمسِكه وتُقِيمَه، وكلَّما انتشرت أعاليه امتدَّت٣ عروقُه وأطنابُه من أسفل في الجهات. ولولا ذلك كيف كانت تثبُت هذه النَّخيلُ الطِّوالُ الباسقاتُ والدَّوْحُ العِظام٤ على الرياح العواصف؟!

وتأمَّل سَبْق الخِلْقة الإلهية٥ للصِّناعة البشرية؛ حتى يَعْلَم الناسُ نَصْبَ الخِيام والفساطيط من خِلْقة الشَّجر والنَّبات؛ لأنَّ عروقها أطنابٌ لها كأطناب الخيمة، وأغصانُ الشَّجر يُتَّخذُ منها الفساطيط، ثمَّ يحاكى بها الشجرة.

فصل٦

ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خَلْق الوَرَق؛ فإنك ترى في الورقة الواحدة من جملة العُروق الممتدَّة فيها المبثوثة فيها ما يَبْهَرُ النَّاظر.

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٢١).
  2. (٢) (ت): «فسطاط كيف يمد».
  3. (٣) (ت): «اشتدت».
  4. (٤) الدَّوْح: الشجر العِظام ذات الفروع الممتدة. «التاج» (دوح).
  5. (٥) (د، ت): «الخلق الإلهي».
  6. (٦) «الدلائل والاعتبار» (٢١)، «توحيد المفضل» (١٠١ - ١٠٢).
643

فمنها غِلاظٌ ممتدَّةٌ في الطُّول والعرض، ومنها دِقاقٌ تتخلَّلُ تلك الغِلاظ، منسوجةً نسجًا دقيقًا مُعْجِبًا لو كان مما يتولى البشرُ صُنْعَ مثله بأيديهم لما فُرِغ من ورقةٍ في عامٍ كامل، ولاحتاجُوا فيه إلى آلاتٍ وحركاتٍ وعلاجٍ تعجزُ قدرتهم عن تحصيله، فبثَّ الخلَّاقُ العليمُ في أيامٍ قلائل من ذلك ما يملأ الأرض سَهْلَها وجبالها بلا آلاتٍ ولا مُعينٍ ولا فكرةٍ ولا معالجة، إن هي إلا إرادتُه النَّافذةُ في كلِّ شيء، وقدرتُه التي لا يمتنعُ منها شيء؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].

فتأمَّل الحكمةَ في تلك العروق المتخلِّلة للورقة١ بأسْرِها لتسقيها وتُوصِل٢ إليها المادَّة فتحفظ عليها حياتها ونضارتها، بمنزلة العروق المبثوثة في الأبدان التي تُوصِلُ الغذاءَ إلى كلِّ جزءٍ منه.

وتأمَّل ما في العروق الغِلاظ من إمساكها الورقَ بصلابتها ومتانتها لئلَّا تتمزَّق وتضمحلَّ٣، فهي بمنزلة الأعصاب لبدن الحيوان، فتراها قد أُحكِمَت صَنْعَتُها ومُدَّت العروقُ في طولها وعرضِها لتتماسك فلا يَعْرِضُ لها التَّمزُّق.

فصل

ثمَّ تأمَّل حكمةَ اللطيف الخبير في كونها٤ جُعِلَت زينةً للشجر، وسِتْرًا ولباسًا للثَّمرة، ووقايةً لها من الآفات التي تمنعُ كمالها؛ ولهذا إذا جُرِّدَت

  1. (١) (د، ق): «الورقة». (ت): «المورقة».
  2. (٢) (ح، ن): «ويرسل».
  3. (٣) (ر، ض): «تنتهك وتتمزق».
  4. (٤) أي: الوَرَق.
644

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي