مفتاح دار السعادة

وتارةً يخبرُ عنها بالتَّسبيح الخاصِّ بوقتٍ دون وقت، كالعشيِّ والإشراق، أفترى دلالتها على صانعها إنما تكونُ في هذين الوقتين؟!

وبالجملة؛ فبطلانُ هذا القول أظهرُ لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلًا على بطلانه، والحمدُ لله.

فصل١

ثمَّ تأمَّل حكمتَه سبحانه في إيداع٢ العَجَم والنَّوى في جوف الثَّمرة، وما في ذلك من الحِكَم والفوائد التي منها: أنه كالعَظْم لبدن الحيوان، فهو يُمْسِكُ بصلابته رخاوةَ الثَّمرة ورِقَّتَها ولطافتَها، ولولا ذلك لشُدِخَت٣ وتفسَّخَت، ولأسرع إليها الفساد، فهو بمنزلة العَظْم، والثَّمرةُ بمنزلة اللحم الذي يكسوه الله ﷿ العِظام.

ومنها: أنَّ في ذلك بقاءَ المادَّة وحِفْظها؛ إذ ربَّما تعطَّلت الشجرةُ أو نوعُها، فخَلَق فيها٤ ما يقومُ مقامها عند تعطُّلها، وهو النَّوى الذي يُغْرَسُ فيعودُ مثلَها.

ومنها: ما في تلك الحبوب من أقوات الحيوانات، وما فيها من المنافع والأدهان والأدوية والأصباغ وضروبٍ أُخَر من المصالح التي يتعلَّمها النَّاس٥، وما خَفِيَ عليهم منها أكثر.

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٢١)، «توحيد المفضل» (١٠٢ - ١٠٣).
  2. (٢) (ح، ق، د): «إبداع» بالموحَّدة. والعَجَم هو النوى.
  3. (٣) (ر، ض): «لتشدخت».
  4. (٤) (ح): «فخلف فيها».
  5. (٥) (ق): «يعلمها الناس».
647

فتأمَّل الحكمةَ في إخراجه ــ سبحانه ــ هذه الحبوبَ لمنافعَ فيها، وكسوتها لحمًا لذيذًا شهيًّا يتفكَّهُ به ابنُ آدم.

ثمَّ تأمَّل هذه الحكمةَ البديعةَ في أنْ جَعَل للثَّمرة الرَّقيقة اللطيفة التي يُفسِدُها الهواءُ والشمسُ غلافًا يحفظُها، وغشاءً يواريها؛ كالرُّمَّان والجَوز واللَّوز ونحوه. وأمَّا ما لا يَفْسُدُ إذا كان بارزًا فجَعَل له في أوَّل خروجه غشاءً يواريه؛ لضعفه ولقلَّة صبره على الحرِّ، فإذا اشتدَّ وقَوِيَ تفتَّق عنه ذلك الغشاءُ وضَحَا للشمس١ والهواء؛ كطَلْع النَّخل وغيره.

فصل٢

ثمَّ تأمَّل خلقَ الرُّمَّان وماذا فيه من الحِكَم والعجائب؛ فإنك ترى داخلَ الرُّمَّانة كأمثال التِّلال٣ شحمًا متراكمًا في نواحيها، وترى ذلك الحَبَّ فيها مرصوفًا رصفًا ومنضودًا نضدًا لا يمكنُ الأيدي أن تنضِّده، وترى الحَبَّ مقسومًا أقسامًا وفِرَقًا، وكلَّ قسمٍ وفرقةٍ منه ملفوفًا٤ بلفائفَ وحُجُبٍ منسوجةٍ أعجبَ نسجٍ وألطفَه وأدقَّه٥ على غير منوالٍ إلا منوال ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ثمَّ ترى الوعاءَ المحكَم الصُّلبَ قد اشتمل على ذلك كلِّه وضمَّه أحسنَ ضمٍّ.

  1. (١) أي: بَرَز لها، وأصابه حرُّها.
  2. (٢) «الدلائل والاعتبار» (٢٢)، «توحيد المفضل» (١٠٣ - ١٠٤).
  3. (٣) في الأصول: «القلال»، تحريف. والمثبت من (ر، ض). وإنما ذُكِرت القِلالُ في الحديث في مثَل ثمار الجنة لعِظَمها، وليست كذلك ثمار الدنيا. ثم إن المقصود ههنا تمثيل تراكمها لا عِظَمها.
  4. (٤) (ح): «ملفوفة». (ن): «ملفوف».
  5. (٥) «وأدقه» ليست في (ح).
648

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي