مفتاح دار السعادة

فتأمَّل هذه الحكمةَ البديعةَ في الشَّحم المودَع فيها؛ فإنَّ الحَبَّ لا يمدُّ بعضه بعضًا، إذ لو مدَّ بعضُه بعضًا لاختلط وصار حبَّةً واحدة، فجُعِل ذلك الشحمُ خِلاله١ ليمدَّه بالغذاء.

والدليلُ عليه أنك ترى أصول الحَبِّ مركوزةً في ذلك الشَّحم، وهذا بخلاف حَبِّ العنب فإنه استغنى عن ذلك بأن جَعَل لكلِّ حبَّةٍ مجرًى تشربُ منه، فلا تشربُ حقَّ أختها، بل يجري الغذاءُ في ذلك العِرْق مجرًى واحدًا، ثمَّ ينقسمُ منه في مجاري الحبوب كلِّها، فينصبُّ منه٢ في كلِّ مجرًى غذاءُ تلك الحبَّة، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.

ثمَّ إنه لَفَّ ذلك الحَبَّ في تلك الرُّمَّانة بتلك اللفائف؛ لتضُمَّه وتمسكه فلا يضطرب ولا يتبدَّد، ثمَّ غشَّى فوق ذلك بالغشاء الصُّلب٣، صِوانًا له٤ وحافظًا٥ وممسكًا له بإذن الله وقدرته.

فهذا قليلٌ من كثيرٍ من حكمة هذه الثَّمرة الواحدة، ولا يمكنُنا ــ ولا غيرَنا ــ استقصاءُ ذلك، ولو طالت الأيامُ واتَّسعَ الفِكْر٦، ولكنَّ هذا منبِّهٌ على ما وراءه، واللبيبُ يكتفي ببعض ذلك، وأما من غَلبت عليه الشقاوة، فكأيِّن من آيةٍ في السَّموات والأرض يمرُّ عليها وهو معرضٌ عنها٧، غافلٌ

  1. (١) (ح): «غلافه». وسقطت من (ن).
  2. (٢) (ح): «فينبعث منه».
  3. (٣) (ر، ض): «بالقشرة المستحصفة».
  4. (٤) (ت): «صنوانا». (ن، ح): «صونا».
  5. (٥) (ق، ن): «وحفظا». (ح): «وحفاظا». (ض): «لتصونه وتحصنه».
  6. (٦) (ت): «الذكر».
  7. (٧) سها ناسخ (ق) فكتب بدل هذه الجملة آية سورة يوسف: ١٠٥، التي اقتبس منها المصنفُ عبارته، ثم عاد فصحَّحها في الطرَّة بما يوافق باقي النسخ.
649

عن موضع الدَّلالة فيها.

فصل١

ثمَّ تَأمَّل هذا الرَّيعَ٢ والنَّماء الذي وضعه الله في الزَّرع، حتى صارت الحبَّةُ الواحدةُ ربما أنبتت سبعَ مئة حبَّة٣، ولم تنبت الحبَّةُ حبَّةً واحدةً مثلها؛ ليكون في الغَلَّة متَّسعٌ لما يُرَدُّ في الأرض من الحَبِّ وما يكفي النَّاس ويَقُوتُ الزَّارعَ إلى إدراك زرعه. فصار الزرعُ يَرِيعُ هذا الرَّيعَ ليفيَ بما يحتاجُ إليه للقوت والزِّراعة.

وكذلك ثمارُ الأشجار والنَّخيل، وكذلك ما يخرجُ مع الأصل الواحد منها من الصِّنوان؛ ليكون لما يقطعُه النَّاسُ٤ من ذلك ويستعملونه في مآربهم خَلَفًا، فلا تَبطُل المادَّةُ عليهم ولا تَنقُص.

ولو أنَّ صاحبَ بلدٍ من البلاد أراد عِمارتَه لأعطى أهلَه ما يَبْذُرونه فيه٥ وما يُقِيتهُم إلى استواء الزَّرع، فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أن أخرجَ من الحبَّة الواحدة حبَّاتٍ عديدة؛ ليُقِيتَ الخارجُ النَّاسَ ويدَّخرون منه ما يزرعون.

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (١٩)، «توحيد المفضل» (٩٩ - ١٠٠).
  2. (٢) وهو النماء والزيادة. «اللسان» (ريع).
  3. (٣) (ر، ض): «مئة حبة وأكثر وأقل». وهو أجود.
  4. (٤) (ت، د): «افلس»، وفي طرة (د): «لعله: الناس». وكذلك هي في (ر، ض).
  5. (٥) (ق، د، ت): «فيهم».
650

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي