ثمَّ تَأمَّل هذا الرَّيعَ٢ والنَّماء الذي وضعه الله في الزَّرع، حتى صارت الحبَّةُ الواحدةُ ربما أنبتت سبعَ مئة حبَّة٣، ولم تنبت الحبَّةُ حبَّةً واحدةً مثلها؛ ليكون في الغَلَّة متَّسعٌ لما يُرَدُّ في الأرض من الحَبِّ وما يكفي النَّاس ويَقُوتُ الزَّارعَ إلى إدراك زرعه. فصار الزرعُ يَرِيعُ هذا الرَّيعَ ليفيَ بما يحتاجُ إليه للقوت والزِّراعة.
وكذلك ثمارُ الأشجار والنَّخيل، وكذلك ما يخرجُ مع الأصل الواحد منها من الصِّنوان؛ ليكون لما يقطعُه النَّاسُ٤ من ذلك ويستعملونه في مآربهم خَلَفًا، فلا تَبطُل المادَّةُ عليهم ولا تَنقُص.
ولو أنَّ صاحبَ بلدٍ من البلاد أراد عِمارتَه لأعطى أهلَه ما يَبْذُرونه فيه٥ وما يُقِيتهُم إلى استواء الزَّرع، فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أن أخرجَ من الحبَّة الواحدة حبَّاتٍ عديدة؛ ليُقِيتَ الخارجُ النَّاسَ ويدَّخرون منه ما يزرعون.
(٤) (ت، د): «افلس»، وفي طرة (د): «لعله: الناس». وكذلك هي في (ر، ض).
(٥) (ق، د، ت): «فيهم».
فصل١
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في الحبوب٢، كالبُرِّ والشعير ونحوهما؛ كيف يخرجُ الحَبُّ مُدْرَجًا في قُشورٍ على رؤوسها أمثالُ الأسنَّة، فلا يتمكَّنُ جُنْدُ الطَّير من إفسادها والعبث فيها؛ فإنه لو صادفَ الحَبَّ بارزًا لا صِوانَ عليه٣ ولا وقاية تحولُ دونه لتمكَّن منه كلَّ التَّمكُّن، فأفسدَ وعاثَ وعَثَا وأكبَّ عليه أكلًا ما استطاع، وعَجَز أربابُ الزَّرع عن ردِّه.
فجعل اللطيفُ الخبيرُ عليه هذه الوقايات لتصونه، فينال الطَّيرُ منه مقدارَ قُوتِه، ويبقى أكثرُه للإنسان؛ فإنه أولى به؛ لأنه هو الذي كَدَحَ فيه وشَقِيَ به٤، وكان الذي يحتاجُ إليه أضعاف حاجة الطَّير.
فصل٥
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ الباهرة في هذه الأشجار؛ كيف تراها في كلِّ عامٍ لها حملٌ ووَضْع، فهي دائمًا في حملٍ وولادة.
فإذا أذِنَ لها ربُّها في الحمل احتبسَت٦ الحرارةُ الطَّبيعيةُ في داخلها واختبأت فيها؛ ليكون فيها حملُها في الوقت المقدَّر لها، فيكون ذلك الوقتُ