فجديرٌ بمن له مُسْكةٌ من عقلٍ أن يسافر بفكره في هذه النِّعَم والآلاء، ويكرِّر ذِكرَها، لعلَّه يُوقِفُه على المراد منها ما هو؟ ولأيِّ شيءٍ خُلِق؟ ولماذا هُيِّاء؟ وأيُّ أمرٍ طُلِب منه على هذه النِّعَم١؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأعراف: ٦٩].
فذِكرُ آلائه ﵎ ونِعَمه على عبده سببُ الفلاح والسَّعادة؛ لأنَّ ذلك لا يزيدُه إلا محبةً لله وحمدًا وشكرًا وطاعةً وشُهودَ تقصيره ــ بل تفريطه ــ في القليل مما يجبُ لله عليه.
ولله درُّ القائل:
قد هيَّؤُوكَ لأمرٍ لو فَطِنْتَ لهفاربَأ بنفسِكَ أن ترعى مع الهَمَلِ٢
فصل٣
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في شجر اليَقْطين والبِطِّيخ والخِرْبِز٤، كيف لما اقتضت الحكمةُ أن يكونَ حملُه ثمارًا كبارًا جُعِل نباتُه منبسطًا على الأرض؛ إذ لو انتصبَ قائمًا كما ينتصبُ الزَّرعُ لضَعُفَت قوَّتُه عن حمل هذه الثِّمار الثَّقيلة، ولنَفَضت٥ قبل إدراكها وانتهائها إلى غاياتها.
(٤) (ق، د، ت): «والجزر». تحريف. والمثبت من (ن، ر). وفي (ض): «الدباء والقثاء والبطيخ».
(٥) سقَطَت. والنَّفَض: ما تساقط من الثمر. وفي (ت): «ولنقضت». (ح): «ولانقضت». (ق، ن): «ولنقصت». وأهملت في (د). (ر، ض): «ولتقصفت».
فاقتضت حكمةُ مُبدعِه وخالقه أن بَسَطه ومدَّه على الأرض، ليُلقِيَ عليها ثمارَه فتحملها عنه الأرض. فترى العِرْقَ الضعيفَ الدَّقيقَ من ذلك منبسطًا على الأرض وثمارُه مبثوثةٌ حواليه، كأنه حيوانٌ١ قد اكتنفها جِراؤها٢ فهي ترضعُها.
ولما كان شجرُ اللُّوبيا والباذنجان والباقِلَّاء وغيرها مما يَقْوى على حمل ثمرته، أنبتَه الله منتصبًا قائمًا على ساقه؛ إذ لا يَلقى من حمل ثماره مؤنةً ولا يَضْعُف عنها.
فصل٣
ثمَّ تأمَّل كيف اقتضت الحكمةُ الإلهيةُ موافاةَ أصناف الفواكه والثِّمار للنَّاس بحسب الوقت المُشاكِل لها المقتضي لها، فتُوافيهم٤ كمُوافاة الماء للظَّمآن، فتلقَّاها٥ الطَّبيعةُ٦ بانشراحٍ واشتياق، منتظرةً لقدومها كانتظار الغائب للغائب.
ولو كان الصيفُ٧ ونباتُه إنما يوافي في الشتاء لصادفَ من النَّاس كراهةً واستثقالًا بوُروده، مع ما كان فيه من المضرَّة للأبدان والأذى لها، وكذلك لو وافى ربيعُها في الخريف أو خريفُها في الرَّبيع لم يقع من النفوس