فاقتضت حكمةُ مُبدعِه وخالقه أن بَسَطه ومدَّه على الأرض، ليُلقِيَ عليها ثمارَه فتحملها عنه الأرض. فترى العِرْقَ الضعيفَ الدَّقيقَ من ذلك منبسطًا على الأرض وثمارُه مبثوثةٌ حواليه، كأنه حيوانٌ١ قد اكتنفها جِراؤها٢ فهي ترضعُها.
ولما كان شجرُ اللُّوبيا والباذنجان والباقِلَّاء وغيرها مما يَقْوى على حمل ثمرته، أنبتَه الله منتصبًا قائمًا على ساقه؛ إذ لا يَلقى من حمل ثماره مؤنةً ولا يَضْعُف عنها.
فصل٣
ثمَّ تأمَّل كيف اقتضت الحكمةُ الإلهيةُ موافاةَ أصناف الفواكه والثِّمار للنَّاس بحسب الوقت المُشاكِل لها المقتضي لها، فتُوافيهم٤ كمُوافاة الماء للظَّمآن، فتلقَّاها٥ الطَّبيعةُ٦ بانشراحٍ واشتياق، منتظرةً لقدومها كانتظار الغائب للغائب.
ولو كان الصيفُ٧ ونباتُه إنما يوافي في الشتاء لصادفَ من النَّاس كراهةً واستثقالًا بوُروده، مع ما كان فيه من المضرَّة للأبدان والأذى لها، وكذلك لو وافى ربيعُها في الخريف أو خريفُها في الرَّبيع لم يقع من النفوس
ذلك الموقِع، ولا استطابتْه واستلذَّته ذلك الالتذاذ.
ولهذا تجدُ المتأخِّرَ منها عن وقته فائتًا مملولًا محلول١ الطَّعم، ولا تظنَّ٢ أنَّ هذا لجريان العادة المجرَّدة بذلك؛ فإنَّ العادة إنما جرت به لأنه وَفْقَ الحكمة والمصلحة التي لا يُخِلُّ بها الحكيمُ الخبير.
فصل٣
ثمَّ تأمَّل هذه النَّخلةَ التي هي أحدُ آيات الله٤ تجدْ فيها من العجائب والآيات ما يَبْهَرُك؛ فإنه لما قدِّر أن يكون فيه إناثٌ تحتاجُ إلى اللِّقاح جُعِلَت فيها ذكورٌ تَلْقَحُها بمنزلة ذكور الحيوان وإناثه، ولذلك اشتدَّ شَبهُها من بين سائر الأشجار بالإنسان، خصوصًا بالمؤمن، كما مَثَّله النبيُّ ﷺ٥، وذلك من وجوهٍ كثيرة:
أحدها: ثباتُ أصلها في الأرض واستقرارُه فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار٦.
الثاني: طِيبُ ثمرتها وحلاوتُها وعمومُ المنفعة بها، كذلك المؤمنُ طيِّبُ الكلام طيِّبُ العمل، فيه المنفعةُ لنفسه ولغيره.
(١) كذا في الأصول. وفي (ط): «مخلول» بالمعجمة، لعله من الخَلِّ، وسمِّي بذلك لأنه اختلَّ منه طعمُ الحلاوة.