مفتاح دار السعادة

فتأمَّل خِلْقةَ الجِذْع الذي لها كيف هو، تجدْه كالمنسوج من خيوطٍ ممدودةٍ كالسَّدى، وأخرى معترضةً كاللُّحْمة١، كنحو المنسوج باليد، وذلك لتشتدَّ٢ وتَصْلُب، فلا تتقصَّف٣ مِنْ حَمْل القِنْوان الثقيلة٤، وتصبرَ على هزِّ الرياح٥ العاصفة، ولبثِّها في السُّقوف٦ والجسور والأواني وغير ذلك مما يُتَّخَذُ منها.

وهكذا سائرُ الخشب غيرها فيه إذا تأمَّلتَه شِبْه النَّسج، ولا تراه مُصْمَتًا كالحجر الصَّلْد، بل ترى بعضَه كأنه يُداخِلُ بعضًا طولًا وعرضًا كتداخُل أجزاء اللُّحَم بعضها في بعض؛ فإنَّ ذلك أمتنُ له وأهيأُ لما يُرادُ منه، فإنه لو كان مُصْمَتًا٧ كالحجارة لم يُمْكِن أن يُستَعمل في الآلات والأبواب والأواني والأمتعة والأسِرَّة والتَّوابيت وما أشبهها.

ومن بديع الحكمة في الخشب أنْ جُعِل يطفو على الماء، وذلك للحكمة البالغة؛ إذ لولا ذلك لمَا كانت هذه السُّفنُ تحملُ أمثال الجبال من الحُمولات والأمتعة، وتَمْخُرُ البحرَ مقبلةً ومدبرة، ولولا ذلك لما تهيَّأ للنَّاس هذه المرافقُ لحمل هذه التِّجارات العظيمة والأمتعة الكثيرة ونقلِها

  1. (١) السَّدى: الخيوطُ التي تُمَدُّ طولًا في النسيج. واللُّحْمة: الخيوطُ التي تُمَدُّ عرضًا يُلْحَمُ بها السَّدى. «المعجم الوسيط» (سدا، لحم).
  2. (٢) أي: جذوع النخل. وفي (ض): «ليشتد» وكذا ما بعده، للمفرد.
  3. (٣) (ت): «تنقص». (ح، ن): «تنقصف».
  4. (٤) القِنْوان: جمع قِنْو، وهو العِذْق بما فيه من الرطب.
  5. (٥) (ت): «مر الرياح».
  6. (٦) (ر، ض): «وليتهيأ للسقوف». وهي قراءة محتملة.
  7. (٧) وهو ما لا جوف له. وفي (د، ق، ر، ض): «مستحصفا»، وهو المستحكِم.
662

من بلدٍ إلى بلد، بحيثُ لو نُقِلَت في البرِّ لعَظُمَت المؤنةُ في نقلها وتعذَّر على النَّاس كثيرٌ من مصالحهم.

فصل١

ثمَّ تأمَّل أحوال هذه العقاقير والأدوية التي يخرجُها اللهُ من الأرض، وما خَصَّ به كلَّ واحدٍ منها وجَعَل عليه من العمل والنَّفع:

فهذا يَغُورُ في المفاصل فيستخرجُ الفُضولَ الغليظةَ القاتلةَ لو احتبسَت، وهذا يستخرجُ المِرَّةَ السَّوداء، وهذا يستخرجُ الصَّفراء، وهذا يحلِّلُ الأورام، وهذا يسكِّنُ الهيَجانَ والقَلق، وهذا يجلبُ النَّومَ ويعيدُه إذا أعوَزه الإنسان، وهذا يخفِّفُ البدنَ إذا وجد الثِّقَل، وهذا يُفْرِحُ القلبَ إذا تراكمَت٢ عليه الغُموم، وهذا يَجْلو البلغَم ويكشِطُه، وهذا يُحِدُّ البصر، وهذا يطيِّبُ النَّكهة، وهذا يسكِّنُ هيَجانَ الباه، وهذا يهيِّجُها، وهذا يبرِّدُ الحرارةَ ويطفئها، وهذا يقتلُ البرودةَ ويهيِّجُ الحرارة، وهذا يدفعُ ضررَ غيره من الأدوية والأغذية، وهذا يقاومُ بكيفيَّته كيفيَّةَ غيره، فيعتدلان، فيعتدلُ المزاجُ بتناولِهما، وهذا يسكِّنُ العطش، وهذا يصرفُ الرياح الغليظةَ ويَفُشُّها٣، وهذا يعطي اللونَ إشراقًا ونضارة، وهذا يزيدُ في أجزاء البدن بالسَّمانة، وهذا يُنقِصُ منها، وهذا يَدْبُغ٤ المعدة، وهذا يَجْلوها ويغسلها،

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٢٤)، «توحيد المفضل» (١٠٦ - ١٠٧).
  2. (٢) (ن، ح): «تراكب».
  3. (٣) فَشَّ القِربةَ يَفُشُّها: حَلَّ وكاءَها فخرجَ ريحُها. «اللسان» (فشش). وفي (ن): «ويفتتها». (ق، د، ت): «ويهيها». وانظر: «زاد المعاد» (٤/ ٣٩٥).
  4. (٤) أي: يقوِّيها، وينشِّف الرطوبة، ويحبس البطن. وفي (ت، ن): «يدفع». وانظر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٨٥، ٢٨٨، ٣٠٦، ٤٠٠).
663

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي