وأمَّا آكِلةُ النَّباتِ فلمَّا قُدِّر أنها لا تصطادُ ولا صَنْعةَ لها خُلِق لبعضها أظلافٌ تَقِيها خُشونةَ الأرض إذا جالت في طلب المرعى، ولبعضها حوافرُ مُلملَمةٌ مقعَّرةٌ٢ كأخمَص القدم٣ لتنطبقَ على الأرض وتتهيَّأ للرُّكوب والحُمولة٤، ولم يُخْلَق لها بَراثِنُ ولا أنيابٌ لأنَّ غذاءها لا يحتاجُ إلى ذلك.
فصل٥
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خِلقة الحيوان الذي يأكلُ اللحمَ من البهائم؛ كيف جُعِل له أسنانٌ حِداد، وبراثنُ شِدَاد، وأشداقٌ مَهْرُوتة٦، وأفواهٌ واسعة، وأُعِينت بأسلحةٍ وأدواتٍ تصلحُ للصَّيد والأكل؛ ولذلك تجدُ سباعَ الطَّير ذواتِ مناقيرَ حِدادٍ ومخالبَ كالكلاليب.
ولهذا حرَّم النبيُّ ﷺ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع ومِخْلبٍ من الطَّير٧؛
(١) (ت، ن): «أكلة اللحم». (د، ق): «اكله اللحم».
(٢) (ر، ض): «ذوات قعر».
(٣) وهو باطنُ القَدَم وما رَقَّ من أسفلها وتجافى عن الأرض فلا يلصقُ بها عند الوطء. «اللسان» (خمص).
(٤) (ض): «تنطبق على الأرض عند تهيئها للركوب والحمولة».
(٦) واسعة. والهَرَتُ: سَعَة الشِّدق. والشِّدق: جانب الفم. «اللسان» (هرت). وليست في (ر، ض).
(٧) أخرجه مسلم (١٩٣٤) وغيره من حديث ابن عباس.
لضرره وعُدوانه١ وشرِّه، والمُغتَذِي شبيهٌ بالغاذِي٢، فلو اغتَذى بها الإنسانُ لصار فيه من أخلاقها وعُدوانها وشرِّها ما يشابهها به، فحرَّم على الأمَّة أكلَها.
ولم يحرِّم عليهم الضَّبُعَ وإن كان ذا ناب؛ فإنه ليس من السِّباع عند أحدٍ من الأمم، والتحريمُ إنما كان لِمَا تضمَّن الوصفين: أن يكون ذا نابٍ، وأن يكون من السِّباع٣.
ولا يقال: «فهذا ينتقضُ بالسَّبُع إذا لم يكن له ناب»؛ لأنَّ هذا لم يوجد أبدًا.
فصلواتُ الله وسلامُه على من أُوتي جوامعَ الكَلِم، فأوضحَ الأحكامَ وبيَّن الحلال من الحرام.
فانظُر حكمةَ الله ﷿ في خلقِه وأمرِه فيما خَلَقه وفيما شرَعَه تجدْ مصدرَ ذلك كلِّه الحكمةَ البالغةَ التي لا يختلُّ نظامُها ولا ينخرمُ٤ ولا يختلُّ أبدًا.
ومن الناس من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الأمر أعظمَ من مشاهدة حكمة الخلق، وهؤلاء خواصُّ العباد الذين عَقَلُوا عن الله أمرَه ودينَه، وعرفوا