لضرره وعُدوانه١ وشرِّه، والمُغتَذِي شبيهٌ بالغاذِي٢، فلو اغتَذى بها الإنسانُ لصار فيه من أخلاقها وعُدوانها وشرِّها ما يشابهها به، فحرَّم على الأمَّة أكلَها.
ولم يحرِّم عليهم الضَّبُعَ وإن كان ذا ناب؛ فإنه ليس من السِّباع عند أحدٍ من الأمم، والتحريمُ إنما كان لِمَا تضمَّن الوصفين: أن يكون ذا نابٍ، وأن يكون من السِّباع٣.
ولا يقال: «فهذا ينتقضُ بالسَّبُع إذا لم يكن له ناب»؛ لأنَّ هذا لم يوجد أبدًا.
فصلواتُ الله وسلامُه على من أُوتي جوامعَ الكَلِم، فأوضحَ الأحكامَ وبيَّن الحلال من الحرام.
فانظُر حكمةَ الله ﷿ في خلقِه وأمرِه فيما خَلَقه وفيما شرَعَه تجدْ مصدرَ ذلك كلِّه الحكمةَ البالغةَ التي لا يختلُّ نظامُها ولا ينخرمُ٤ ولا يختلُّ أبدًا.
ومن الناس من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الأمر أعظمَ من مشاهدة حكمة الخلق، وهؤلاء خواصُّ العباد الذين عَقَلُوا عن الله أمرَه ودينَه، وعرفوا
حكمتَه فيما أحكَمه١، وشهدت فِطَنُهم وعقولهم أنَّ مَصدرَ ذلك حكمةٌ بالغةٌ وإحسانٌ تامٌّ ومصلحةٌ أُريدت بالعباد في معاشهم ومعادهم، وهم في ذلك درجاتٌ لا يحصيها إلا الله.
ومنهم من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الخلق أوفرَ من حظِّه من حكمة الأمر، وهم أكثرُ الأطبَّاء والطبائعيِّين الذين صرفوا أفكارَهم إلى استخراج منافع النَّبات والحيوان وقُوَاها وما تصلحُ له مفردةً ومركَّبة، وليس لهم نصيبٌ في حكمة الأمر إلا كما للفقهاء من حكمة الخَلْق، بل أقلُّ من ذلك.
ومنهم من فُتِحَ عليه بمشاهدة حكمة الخلق والأمر٢ بحسب استعداده وقوَّته، فرأى الحكمةَ الباهرةَ التي بَهَرَت العقولَ في هذا وهذا، فإذا نظر إلى خَلْقه وما فيه من الحِكَم ازداد إيمانًا ومعرفةً وتصديقًا بما جاءت به الرُّسل، وإذا نظر إلى أمره وما تضمَّنه من الحِكَم الباهرة ازداد إيمانًا ويقينًا وتسليمًا.
لا كمن حُجِبَ بالصَّنعة عن الصَّانع، وبالكواكب عن مُكَوْكِبها؛ فعَمِيَ بصرُه، وغَلُظ عن الله حجابُه، ولو أعطى علمَه حقَّه لكان من أقوى النَّاس إيمانًا؛ لأنه اطَّلع من حكمة الله وباهر آياته٣ وعجائب صُنْعِه الدَّالَّة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خَفِيَ عن غيره. ولكنَّ من حكمة الله أيضًا أنْ سَلَبَ كثيرًا من عقول هؤلاء٤ خاصَّتَها٥، وحَجَبَها عن معرفته،
(١) في الأصول: «أحله». والمثبت أشبه.
(٢) (ح، ن): «بمشاهدة الخلق والأمر».
(٣) (ن، ح): «وبراهينه».
(٤) (ت): «عقول كثير من هؤلاء».
(٥) (ح، ن): «خاصيتها». والخاصيَّة نسبة إلى الخاصَّة.