وأوقَفَها عند ظاهرٍ من العلم بالحياة الدُّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون؛ لدناءتها وخِسَّتها وحقارتها وعدم أهليَّتها لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وهذا بابٌ لا يطَّلعُ الخلقُ منه على ما له نسبةٌ إلى الخافي عنهم منه أبدًا، بل علمُ الأوَّلين والآخرين منه كنقرة العصفور من البحر، ومع هذا فليس ذلك بمُوجِبٍ للإعراض عنه واليأس منه، بل يستدلُّ العاقلُ بما ظهر له منه على١ ما وراءه.
فصل٢
ثمَّ تأمَّل أولاد٣ ذواتِ الأربع من الحيوان، كيف تراها تتبعُ أمَّهاتها مستقلَّةً بأنفُسها، فلا تحتاجُ إلى الحمل والتَّربية كما يحتاجُ إليه أولادُ الإنس، فمن أجلِ٤ أنه ليس عند أمَّهاتها ما عند أمَّهاتِ البَشَر من التَّربية والمُلاطفة والرِّفق والآلات المتَّصلة والمنفصلة٥ = أعطاها اللطيفُ الخبيرُ النُّهوض والاستقلالَ بأنفسها، على قُرب العهد بالولادة.
(٣) (ح): «أولي». وفي باقي الأصول: «أولا»، وضبطت بالتنوين في (د). والمثبت أقوم. وانظر: «الحيوان» (٢/ ٣٣٣). وتأمل اللحاق. والعبارة في (ض): «انظر الآن إلى ذوات الأربع». وفي (ر): «انظر إلى أولاد ذوات الأربع».
ولذلك١ ترى فِراخَ كثيرٍ من الطَّير ــ كالدَّجاج، والدُّرَّاج، والقَبَج٢ ــ يَدْرُجُ ويَلْقُطُ حين يخرجُ من البيضة٣.
وما كان منها ضعيفَ النُّهوض ــ كفِراخ الحمَام واليَمَام ــ أعطى سبحانه أمَّهاتها من فضل العطف٤ والشَّفقة والحنان ما تَمُجُّ به الطُّعْمَ في أفواه الفِراخ من حَواصِلها؛ فتَخْبَؤه في أعزِّ مكانٍ منها، ثمَّ تَسُوقُه من فِيها إلى أفواه الفِراخ، ولا يزالُ بها كذلك٥ حتى ينهض الفرخُ ويستقلَّ بنفسه، وذلك كلُّه من حظِّها وقَسْمِها الذي وَصَلَ إليها من الرَّحمة الواحدة من المئة٦.
فإذا استقلَّ بنفسه وأمْكَنه الطَّيرانُ لم يَزَل به الأبوان يعالجانه أتمَّ معالجةٍ وألطفَها حتى يطيرَ من وَكْرِه، ويسترزق لنفسه، ويأكل من حيثُ يأكلان، وكأنهما لم يعرفاهُ ولا عرفهما قطُّ٧، بل يطردانه عن الوَكْر ولا يدعانه وأقواتَهما وبيتَهما، بل يقولان له بلسانٍ يَفْهَمُه: اتَّخِذ لك وَكْرًا وقُوتًا، فلا وَكْر لك عندنا ولا قُوت!
فسَلِ المعطِّل: أهذا كلُّه عن إهمال؟! ومن الذي ألهمها ذلك؟! ومن الذي عَطَّفها على الفِراخ وهي صغارٌ أحوجَ ما كانت إليها، ثمَّ سَلَبَ ذلك
(١) (ح، ت، ن، ض): «وكذلك».
(٢) الدُّرَّاج: ضربٌ من الطير على خِلْقة القَطا إلا أنه ألطف. والقبج: الحَجَل. «اللسان». وسقط من (ح، ن): «والقبج».
(٣) (ر): «حين ينقات عنها البيض». (ض): «حين تنقاب عنها البيضة».
(٤) (ن، ح): «من فضله العطف».
(٥) (ت): «ولا يزال بها ذلك».
(٦) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢).