ولذلك١ ترى فِراخَ كثيرٍ من الطَّير ــ كالدَّجاج، والدُّرَّاج، والقَبَج٢ ــ يَدْرُجُ ويَلْقُطُ حين يخرجُ من البيضة٣.
وما كان منها ضعيفَ النُّهوض ــ كفِراخ الحمَام واليَمَام ــ أعطى سبحانه أمَّهاتها من فضل العطف٤ والشَّفقة والحنان ما تَمُجُّ به الطُّعْمَ في أفواه الفِراخ من حَواصِلها؛ فتَخْبَؤه في أعزِّ مكانٍ منها، ثمَّ تَسُوقُه من فِيها إلى أفواه الفِراخ، ولا يزالُ بها كذلك٥ حتى ينهض الفرخُ ويستقلَّ بنفسه، وذلك كلُّه من حظِّها وقَسْمِها الذي وَصَلَ إليها من الرَّحمة الواحدة من المئة٦.
فإذا استقلَّ بنفسه وأمْكَنه الطَّيرانُ لم يَزَل به الأبوان يعالجانه أتمَّ معالجةٍ وألطفَها حتى يطيرَ من وَكْرِه، ويسترزق لنفسه، ويأكل من حيثُ يأكلان، وكأنهما لم يعرفاهُ ولا عرفهما قطُّ٧، بل يطردانه عن الوَكْر ولا يدعانه وأقواتَهما وبيتَهما، بل يقولان له بلسانٍ يَفْهَمُه: اتَّخِذ لك وَكْرًا وقُوتًا، فلا وَكْر لك عندنا ولا قُوت!
فسَلِ المعطِّل: أهذا كلُّه عن إهمال؟! ومن الذي ألهمها ذلك؟! ومن الذي عَطَّفها على الفِراخ وهي صغارٌ أحوجَ ما كانت إليها، ثمَّ سَلَبَ ذلك
(١) (ح، ت، ن، ض): «وكذلك».
(٢) الدُّرَّاج: ضربٌ من الطير على خِلْقة القَطا إلا أنه ألطف. والقبج: الحَجَل. «اللسان». وسقط من (ح، ن): «والقبج».
(٣) (ر): «حين ينقات عنها البيض». (ض): «حين تنقاب عنها البيضة».
(٤) (ن، ح): «من فضله العطف».
(٥) (ت): «ولا يزال بها ذلك».
(٦) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢).
(٧) (ت): «لم يعرفانها ولا عرفاه قط».
عنها إذا استغنت الفراخ؛ رحمةً بالأمَّهات؛ لتسعى١ في مصالحها، إذ لو دام لها ذلك لأضرَّ بها وشَغَلها عن معاشها، لا سيَّما مع كثرة ما يحتاجُ إليه أولادُها من الغذاء؛ فوضع فيها الرَّحمة والإيثار والحنان رحمةً بالفراخ، وسَلَبَها إياها عند استغنائها رحمةً بالأمَّهات؟!
أفيجوزُ أن يكون هذا كلُّه بلا تدبيرِ مدبِّرٍ حكيم، ولا عنايةٍ ولا لُطفٍ منه ﷾؟!
لقد قامت أدلَّةُ ربوبيَّته، وبراهينُ ألوهيَّته، وشواهدُ حكمته، وآياتُ قدرته، فلا يستطيعُ العقلُ لها جحودًا٢، إنْ هي إلا مكابرةُ اللسان من كلِّ جَحُودٍ كفور؛ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[إبراهيم: ١٠]، وإنما يكونُ الشكُّ فيما تخفى أدلَّتُه وتُشْكِلُ براهينُه، فأما من له في كلِّ شيءٍ محسوسٍ أو معقولٍ آيةٌ بل آياتٌ مؤدِّيةٌ عنه٣، شاهدةٌ له بأنه الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين؛ فكيف يكونُ فيه شكٌّ؟!
فصل٤
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغة في قوائم الحيوان؛ كيف اقتضت أن تكون زوجًا لا فردًا، إمَّا اثنتين وإمَّا أربعًا؛ ليتهيَّأ له المشيُ والسَّعيُ، وتتمَّ بذلك مصلحتُه؛ إذ لو كانت فردًا٥ لم يصلُح لذلك؛ لأنَّ الماشي ينقلُ بعض