نقله، واحتياله في دفع أذيَّته، مُنِع مما جُعِل في الوحوش كالسِّباع.
فتأمَّل هذا الذي حارَ بنو آدم فيه وفيما يفعلون به؛ كيف جُعِل طبعًا في البهائم، وكيف تعلَّموه من الطَّير!
وتأمَّل الحكمة في إرسال الله تعالى لابن آدم الغرابَ المُؤْذِن اسمُه بغُربة القاتل من أخيه، وغربته هو من رحمة الله تعالى، وغربته بين أبيه وأهل بيته١، واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه. وهو من الطُّيور التي تنفرُ منها الإنسُ ومن نعيقها وتستوحشُ بها، فأرسل اللهُ إليه مثل هذا الطَّائر حتى صار كالمعلِّم له والأستاذ، وصار بمنزلة المتعلِّم والمستدِلِّ.
ولا تُنكِر حكمةَ هذا الباب وارتباط المسمَّيات فيه بأسمائها، فقد قال النبي ﷺ: «إذا بعثتم إليَّ بَرِيدًا فابعثوه حَسَن الاسم حَسَن الوجه»٢، وكان يَسألُ عن اسم الأرض إذا نزلها٣،
واسم الرسول إذا جاء إليه٤، ولما
(١) (ح، ن): «من أبيه وأهله».
(٢) روي من طرقٍ واهية. وأقوى ما في الباب حديث بريدة عند البزار (٤٣٨٣) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. وظاهرُ إسناده الحُسْن لو صحَّ سماع قتادة من ابن بريدة، وفيه نظر، ولعلَّ البلاء فيه من معاذ بن هشام؛ فإن له أوهامًا، والحديث محفوظٌ عن هشامٍ بلفظٍ آخر أشبه من رواية معاذ، وهو الآتي تخريجه بعد هذا. وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢/ ٣٢٩)، و«الموضوعات» (٣٣٢)، و«اللآلي المصنوعة» (١/ ١١٢)، و«السلسلة الصحيحة» (١١٨٦).
(٣) جزءٌ من حديثٍ أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٧)، وأبو داود (٣٩٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٧١)، وغيرهم عن بريدة. وصححه ابن حبان (٥٨٢٧). وحسنه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢١٥).
(٤) كما سأل بريدةَ عن اسمه حين جاءه في سبعين من أهل بيته في طريق هجرته. وفي إسناده ضعفٌ شديد. وسيأتي تخريجه (ص: ١٥٢٦).
جاءهم سُهيلُ بن عمرو يوم الحديبية قال: «قد سَهُل لكم من أمركم»١، ولما أراد تغييرَ اسم حَزْنٍ بسَهْل٢، قال٣: «لم يَزَل معنى اسمه فيه وفي ذريَّته»، ولما سأل عمرُ بن الخطَّاب الرجلَ عن اسمه واسم أبيه وداره ومنزله فأخبَره أنه جمرةُ بن شهاب، وأنَّ داره بالحَرَّة٤، وأنَّ مسكنَه منها ذاتُ لظى، قال له: «أدرِكْ بيتَك فقد احتَرق»؛ فكان كما قال٥.
وشواهدُ هذا الباب أكثرُ من أن تُذْكَر هاهنا، وهو بابٌ لطيفُ المنزع، شديدُ المناسبة بين الأسماء والمسمَّيات٦.
وكثيرًا ما أُولِعَ النَّاسُ قديمًا وحديثًا بنَعِيق الغراب، واستدلالهم به على البَيْن والاغتراب٧، وينسبونها إلى الشُّؤم، ويَنْفِرون منها وتَنْفِر منهم؛ فكان
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١) مرسلًا ضمن حديث صلح الحديبية الطويل. وقال ابن حجر في «الفتح» (٥/ ٣٤٢): «وهو مرسل، ولم أقف على من وصله بذكر ابن عباسٍ فيه، لكن له شاهد موصول ...».
(٢) فأبى حَزْنٌ، وقال: «لا أغيِّر اسمًا سمَّانيه أبي». كما في الحديث.
(٣) أي: سعيد بن المسيب بن حَزْن. والحديث في البخاري (٦٩١٠) بلفظ: «فما زالت الحُزونةُ فينا بعد».
(٤) في الأصول: «بالحرقة». تحريف. وسيأتي الخبر (ص ١٤٩٢).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٧٩٠) بإسنادٍ منقطع. وأخرجه معمر في «الجامع» (١١/ ٤٣) من وجهٍ آخر، وفيه راوٍ لم يسمَّ. وروي من وجوه أخرى. انظر: «الإصابة» (١/ ٥٣٩). وانظر تعليق ابن عبد البر على الأثر في «الاستذكار» (٢٧/ ٢٣٦).