فإن قلت: فما بالُه لم يُخْلَق ذا عُنقٍ كسائر الأنعام؟ وما الحكمةُ في ذلك؟
قيل: ذلك ــ والله أعلمُ بحكمته في مصنوعاته ــ لأنَّ رأسَه وأذنيه أمرٌ هائلٌ عظيم، وحملٌ ثقيل١، فلو كان ذا عُنقٍ كسائر الأعناق لانهدَّت رقبتُه بثقله٢، ووَهَنت بحمله؛ فجُعِل رأسُه مُلْصَقًا بجسمه لئلَّا يناله منه شيءٌ من الثِّقَل والمؤنة، وخُلِق له مكان العُنق هذا المِشْفرُ الطَّويل يتناولُ به غذاءه.
ولما طالت عنقُ البعير للحكمة في ذلك صَغُر رأسُه بالنسبة إلى عِظَم جثَّته؛ لئلَّا يؤذيه٣ ثِقَلُه ويُوهِن عنقَه.
فسبحان من فاتت أدلَّةُ حكمته٤ عدَّ العادِّين وحصرَ الحاصرين.
وذكروا أنَّ أصنافها من حيوان البرِّ إذا وَرَدَت الماءَ ينزو بعضُها على بعض، فتنزو المستوحشةُ على السَّائمة؛ فتُنتِجُ مثل هذا الشخص الذي هو كالمُلْتقَط من أناسٍ شتَّى١.
وما أرى هذا القائل إلا كاذبًا عليها وعلى الخِلْقة٢؛ إذ ليس في الحيوان صنفٌ يَلْقَحُ صنفًا آخر، فلا الجملُ يلقحُ البقر، ولا الثَّورُ يلقحُ النَّاقة، ولا الفرسُ يلقحُها ولا يلقحانه، ولا الوحوشُ يلقحُ بعضُها بعضًا، ولا الطُّيور، وإنما يقعُ هذا نادرًا فيما يتقارب، كالبقر الوحشيِّ والأهليِّ، والضَّأن٣ والمَعْز، والفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع؛ فيتولَّدُ من ذلك: البغلُ، والسِّمْع، والعِسْبار٤.
وقولُ الفقهاء: «هل تجبُ الزَّكاةُ في المتولِّد من الوحشيِّ والأهليِّ؟ فيه وجهان»٥؛ هذا إنما يُتَصوَّرُ في واحدٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ يَكْمُلُ بها النِّصاب، فأمَّا نصابٌ كلُّه متولِّدٌ٦ من الوحشيِّ والأهليِّ فلا وجود لذلك.