وذكروا أنَّ أصنافها من حيوان البرِّ إذا وَرَدَت الماءَ ينزو بعضُها على بعض، فتنزو المستوحشةُ على السَّائمة؛ فتُنتِجُ مثل هذا الشخص الذي هو كالمُلْتقَط من أناسٍ شتَّى١.
وما أرى هذا القائل إلا كاذبًا عليها وعلى الخِلْقة٢؛ إذ ليس في الحيوان صنفٌ يَلْقَحُ صنفًا آخر، فلا الجملُ يلقحُ البقر، ولا الثَّورُ يلقحُ النَّاقة، ولا الفرسُ يلقحُها ولا يلقحانه، ولا الوحوشُ يلقحُ بعضُها بعضًا، ولا الطُّيور، وإنما يقعُ هذا نادرًا فيما يتقارب، كالبقر الوحشيِّ والأهليِّ، والضَّأن٣ والمَعْز، والفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع؛ فيتولَّدُ من ذلك: البغلُ، والسِّمْع، والعِسْبار٤.
وقولُ الفقهاء: «هل تجبُ الزَّكاةُ في المتولِّد من الوحشيِّ والأهليِّ؟ فيه وجهان»٥؛ هذا إنما يُتَصوَّرُ في واحدٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ يَكْمُلُ بها النِّصاب، فأمَّا نصابٌ كلُّه متولِّدٌ٦ من الوحشيِّ والأهليِّ فلا وجود لذلك.
(٤) السِّمْع: ولد الذئب من الضبع. والعِسْبار: ولد الضبع من الذئب. والبغل: متولِّد من الفرس والحمار، وانظر: كتاب «البغال» للجاحظ (٢/ ٢٩٨ ــ رسائله).
(٥) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥).
(٦) في الأصول: «كل متولد». وهو تحريف.
والأحكامُ المتعلقةُ بهذه المتولِّدات تُذْكَرُ في الزَّكاة وجزاء الصَّيد والأضاحي والأطعمة١، فيغلَّبُ في كلِّ بابٍ الأحوط٢؛ ففي الأضاحي يغلَّبُ عدمُ الإجزاء، وفي الإحرام والحَرَم يغلَّبُ وجوبُ الجزاء، وفي الأطعمة يغلَّبُ جانبُ التحريم، وفي الزَّكاة اختلافٌ مشهور٣.
وسئل شيخنا أبو العبَّاس ابنُ تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ عن حمارٍ نَزَا على فَرسٍ فأحبَلها، فهل يكونُ لبنُ الفَرس حلالًا أو حرامًا؟
فأجاب بأنه حلال٤، ولا حكمَ للفحل في اللَّبن في هذا الموضع، بخلاف الأناسيِّ؛ لأنَّ لبنَ الفَرس حادثٌ من العلَف فهو تابعٌ لِلَحْمِها، ولم يَسْرِ وطءُ الفحل إلى هذا اللبن؛ فإنه لا حُرمة هناك تنتشر، بخلاف لبن الفحل في الأناسيِّ فإنه تنتشرُ به حُرمةُ الرَّضاع، ولا حُرمة هاهنا٥ تنتشرُ من جهة الفحل إلا إلى الولد خاصَّة؛ فإنه يتكوَّنُ منه ومن الأمِّ، فغُلِّب عليه التحريم، وأمَّا اللبنُ فلم يتكوَّن بوطئه وإنما تكوَّن٦ من العلَف، فلم يكن حرامًا.
(١) في الأصول: «والأحوط». وهو خطأ، بدلالة اللحاق، وواقع مدونات الفقه.
(٢) العبارة مضطربة في (ح، ن).
(٣) انظر: «المغني» (٥/ ٣٩٩، ١٣/ ٣١٩، ٣٦٨).
(٤) أي: من هذه الجهة. وذلك ما لم يُسْكِر. أما المسكر منه ــ وهو شرابٌ مشهورٌ في عهد المماليك، يسمى: القِمِزُّ، انظر: «رحلة ابن بطوطة» (١/ ٢٢٠)، و«نهاية الأرب» (٢٧/ ٢٣١) ــ فحرام. انظر: «جامع المسائل» (٤/ ٣٤٤)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٣)، و«الأشربة» لابن قتيبة (١٢٩).