والأحكامُ المتعلقةُ بهذه المتولِّدات تُذْكَرُ في الزَّكاة وجزاء الصَّيد والأضاحي والأطعمة١، فيغلَّبُ في كلِّ بابٍ الأحوط٢؛ ففي الأضاحي يغلَّبُ عدمُ الإجزاء، وفي الإحرام والحَرَم يغلَّبُ وجوبُ الجزاء، وفي الأطعمة يغلَّبُ جانبُ التحريم، وفي الزَّكاة اختلافٌ مشهور٣.
وسئل شيخنا أبو العبَّاس ابنُ تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ عن حمارٍ نَزَا على فَرسٍ فأحبَلها، فهل يكونُ لبنُ الفَرس حلالًا أو حرامًا؟
فأجاب بأنه حلال٤، ولا حكمَ للفحل في اللَّبن في هذا الموضع، بخلاف الأناسيِّ؛ لأنَّ لبنَ الفَرس حادثٌ من العلَف فهو تابعٌ لِلَحْمِها، ولم يَسْرِ وطءُ الفحل إلى هذا اللبن؛ فإنه لا حُرمة هناك تنتشر، بخلاف لبن الفحل في الأناسيِّ فإنه تنتشرُ به حُرمةُ الرَّضاع، ولا حُرمة هاهنا٥ تنتشرُ من جهة الفحل إلا إلى الولد خاصَّة؛ فإنه يتكوَّنُ منه ومن الأمِّ، فغُلِّب عليه التحريم، وأمَّا اللبنُ فلم يتكوَّن بوطئه وإنما تكوَّن٦ من العلَف، فلم يكن حرامًا.
(١) في الأصول: «والأحوط». وهو خطأ، بدلالة اللحاق، وواقع مدونات الفقه.
(٢) العبارة مضطربة في (ح، ن).
(٣) انظر: «المغني» (٥/ ٣٩٩، ١٣/ ٣١٩، ٣٦٨).
(٤) أي: من هذه الجهة. وذلك ما لم يُسْكِر. أما المسكر منه ــ وهو شرابٌ مشهورٌ في عهد المماليك، يسمى: القِمِزُّ، انظر: «رحلة ابن بطوطة» (١/ ٢٢٠)، و«نهاية الأرب» (٢٧/ ٢٣١) ــ فحرام. انظر: «جامع المسائل» (٤/ ٣٤٤)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٣)، و«الأشربة» لابن قتيبة (١٢٩).
(٥) (ح، ن): «هناك».
(٦) (ح، ت، ن): «يكون».
هذا بسطُ كلامه وتقريرُه.
والمقصودُ إبطالُ زعم١ أنَّ هذه الحيوانات المختلفة يلقحُ بعضُها بعضًا عند الموارد، فتتكوَّنُ الزَّرافة، وأنه كاذبٌ عليها وعلى الإبداع.
والذي يدلُّ على كذبه أنه ليس الخارجُ من بين ما ذكرنا من الفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع، والضَّأن والمَعْز، له عضوٌ من كلِّ واحدٍ من أبيه وأمِّه كما يكونُ للزَّرافة عضوٌ من الفَرس وعضوٌ من الجمل، بل يكونُ كالمتوسِّط بينهما الممتزج منهما، كما نشاهده في البغل؛ فإنك ترى رأسَه وأذنيه وكَفَلَه٢ وحوافره وسطًا بين أعضاء أبيه وأمِّه، مشتقَّةً منهما، حتى تجدَ شَحِيجَه٣ كالممتزج من صَهِيل الفَرس ونهيق الحمار.
فهذا يدلُّ على أنَّ الزَّرافة ليست بنِتاج آباءٍ مختلفةٍ كما زعمَ هذا الزَّاعم، بل من خَلْقٍ عجيبٍ وصُنْعٍ بديعٍ من خَلْق الله الذي أبدعه آيةً ودلالةً على قدرته وحكمته التي لا يُعْجِزُها شيء؛ ليُرِيَ عبادَه أنه خالقُ أصناف الحيوان كلِّها كما شاء، وفي أيِّ صورةٍ شاء٤، وفي أيِّ لونٍ شاء؛ فمنها: المتشابهُ الخِلْقة المتناسبُ الأعضاء، ومنها: المختلفُ التَّركيب والشكل والصُّورة.
كما أرى عبادَه قدرتَه التَّامَّة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدَّالَّة على أنه مخلوقٌ بقدرته ومشيئته تابعٌ لها: