والمقصودُ إبطالُ زعم١ أنَّ هذه الحيوانات المختلفة يلقحُ بعضُها بعضًا عند الموارد، فتتكوَّنُ الزَّرافة، وأنه كاذبٌ عليها وعلى الإبداع.
والذي يدلُّ على كذبه أنه ليس الخارجُ من بين ما ذكرنا من الفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع، والضَّأن والمَعْز، له عضوٌ من كلِّ واحدٍ من أبيه وأمِّه كما يكونُ للزَّرافة عضوٌ من الفَرس وعضوٌ من الجمل، بل يكونُ كالمتوسِّط بينهما الممتزج منهما، كما نشاهده في البغل؛ فإنك ترى رأسَه وأذنيه وكَفَلَه٢ وحوافره وسطًا بين أعضاء أبيه وأمِّه، مشتقَّةً منهما، حتى تجدَ شَحِيجَه٣ كالممتزج من صَهِيل الفَرس ونهيق الحمار.
فهذا يدلُّ على أنَّ الزَّرافة ليست بنِتاج آباءٍ مختلفةٍ كما زعمَ هذا الزَّاعم، بل من خَلْقٍ عجيبٍ وصُنْعٍ بديعٍ من خَلْق الله الذي أبدعه آيةً ودلالةً على قدرته وحكمته التي لا يُعْجِزُها شيء؛ ليُرِيَ عبادَه أنه خالقُ أصناف الحيوان كلِّها كما شاء، وفي أيِّ صورةٍ شاء٤، وفي أيِّ لونٍ شاء؛ فمنها: المتشابهُ الخِلْقة المتناسبُ الأعضاء، ومنها: المختلفُ التَّركيب والشكل والصُّورة.
كما أرى عبادَه قدرتَه التَّامَّة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدَّالَّة على أنه مخلوقٌ بقدرته ومشيئته تابعٌ لها:
* فمنه ما خُلِق من غير أبٍ ولا أمٍّ؛ وهو أبو النَّوع الإنساني.
* ومنه ما خُلِق من ذكرٍ بلا أنثى؛ وهي أمُّهم التي خُلِقَت من ضِلَع آدم.
* ومنه ما خُلِق من أنثى بلا ذكرٍ؛ وهو المسيحُ بن مريم.
* ومنه ما خُلِق من ذكرٍ وأنثى؛ وهو سائرُ النَّوع الإنسانيِّ.
ليُرِيَ عبادَه آياتِه، ويتعرَّف إليهم بآلائه وقدرته، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: «كُن»؛ فيكون.
وأما طولُ عنُق الزَّرافة وما لها فيه من المصلحة؛ فلأنَّ منشأها ومَرْعاها ــ كما ذكر المعتنونَ١ بمحالِّها ومساكنها ــ في غَيَاطِلَ٢ ذوات أشجارٍ٣ شاهقةٍ ذاهبةٍ طولًا؛ فأُعِينَت بطول العُنق لتتناول أطرافَ الشجر التي هناك وثمارَها.
فهذا ما وصلت إليه معرفتُهم، وحكمةُ اللطيف الخبير فوق ذلك وأجلُّ منه.
(٢) جمع غيطل، وهو الشجر الكثير الملتف. «اللسان» (غطل). والمثبت من (ر، ض). وتحرفت في (ن، ح): «عناظل»، وفي (د، ت، ق): «عياطل»، وناقةٌ عيطل: طويلة العنق. وهضبةٌ عيطل: طويلة. «اللسان» (عطل). ولا علاقة لعلو المكان بما نحن بسبيله، إنما الشأن علو الأشجار. ونقل الجاحظ في «الحيوان» (٧/ ٢٤٢) أنها في أعالي بلاد النُّوبة. وانظر: «مروج الذهب» (٢/ ١١١)، و«جمهرة الأمثال» (١/ ٥٣١)، و«وصف أفريقيا» (٢/ ٢٥٨)، و«معجم البلدان» (بربرة)، و«آثار البلاد» (٧، ١٢، ١٥). وفي «الموسوعة العربية الميسرة» (٩٢٣): «تعيش في أفريقيا بالمناطق المكشوفة جنوبي الصحراء الكبرى».
(٣) (ح): «تحت أشجار». وفي طرتها إشارةٌ إلى أن في نسخة: «ذوات».