* فمنه ما خُلِق من غير أبٍ ولا أمٍّ؛ وهو أبو النَّوع الإنساني.
* ومنه ما خُلِق من ذكرٍ بلا أنثى؛ وهي أمُّهم التي خُلِقَت من ضِلَع آدم.
* ومنه ما خُلِق من أنثى بلا ذكرٍ؛ وهو المسيحُ بن مريم.
* ومنه ما خُلِق من ذكرٍ وأنثى؛ وهو سائرُ النَّوع الإنسانيِّ.
ليُرِيَ عبادَه آياتِه، ويتعرَّف إليهم بآلائه وقدرته، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: «كُن»؛ فيكون.
وأما طولُ عنُق الزَّرافة وما لها فيه من المصلحة؛ فلأنَّ منشأها ومَرْعاها ــ كما ذكر المعتنونَ١ بمحالِّها ومساكنها ــ في غَيَاطِلَ٢ ذوات أشجارٍ٣ شاهقةٍ ذاهبةٍ طولًا؛ فأُعِينَت بطول العُنق لتتناول أطرافَ الشجر التي هناك وثمارَها.
فهذا ما وصلت إليه معرفتُهم، وحكمةُ اللطيف الخبير فوق ذلك وأجلُّ منه.
(٢) جمع غيطل، وهو الشجر الكثير الملتف. «اللسان» (غطل). والمثبت من (ر، ض). وتحرفت في (ن، ح): «عناظل»، وفي (د، ت، ق): «عياطل»، وناقةٌ عيطل: طويلة العنق. وهضبةٌ عيطل: طويلة. «اللسان» (عطل). ولا علاقة لعلو المكان بما نحن بسبيله، إنما الشأن علو الأشجار. ونقل الجاحظ في «الحيوان» (٧/ ٢٤٢) أنها في أعالي بلاد النُّوبة. وانظر: «مروج الذهب» (٢/ ١١١)، و«جمهرة الأمثال» (١/ ٥٣١)، و«وصف أفريقيا» (٢/ ٢٥٨)، و«معجم البلدان» (بربرة)، و«آثار البلاد» (٧، ١٢، ١٥). وفي «الموسوعة العربية الميسرة» (٩٢٣): «تعيش في أفريقيا بالمناطق المكشوفة جنوبي الصحراء الكبرى».
(٣) (ح): «تحت أشجار». وفي طرتها إشارةٌ إلى أن في نسخة: «ذوات».
فصل١
ثمَّ تأمَّل هذه النَّملةَ الضعيفةَ وما أُعطِيَته من الفطنة والحيلة في جمع القُوت وادِّخاره وحِفْظه ودفع الآفة عنه؛ فإنك ترى في ذلك عِبَرًا وآيات.
فترى جماعةَ النَّمل إذا أرادت إحراز القُوت خرجت من أسرابها طالبةً له، فإذا ظَفِرَت به أخذت طريقًا من أسرابها إليه وشَرَعت في نقله، فتراها رِفْقتين: رِفْقةً٢ حاملةً تحملُه إلى بيوتها سِرْبًا ذاهبًا، ورِفْقةً خارجةً من بيوتها إليه لا تخالطُ تلك في طريقها، بل هما كالخيطيْن، بمنزلة جماعة النَّاس الذَّاهبينَ في طريقٍ والجماعة الرَّاجعينَ من جانبهم في طريق.
فإذا ثَقُل عليها حملُ الشيء من ذلك اجتمعت عليه جماعةٌ من النَّمل وتساعدَت على حمله، بمنزلة الخشبة والحجر الذي تتساعدُ الفئةُ من النَّاس عليه.
فإذا كان الذي ظَفِرَ به منهنَّ واحدةً ساعدَها رِفقتُها عليه إلى بيتها وخلَّوا بينها وبينه، وإن كان الذي صادفه جماعةً منهنَّ تساعَدنَ عليه ثمَّ تقاسمنَه على باب البيت.
ولقد أخبرني٣ بعض الصادقينَ٤ أنه شاهدَ منهنَّ يومًا عجبًا، قال: رأيتُ نملةً جاءت إلى شِقِّ جرادةٍ فزاولَتْهُ، فلم تُطِق رفعَه٥ من الأرض،