ولا تزدرِيَنَّ العبرةَ بالشيء الحقير من الذَّرَّة والنملة٢ والبعوض والعنكبوت؛ فإنَّ المعنى النفيسَ يُقتَبسُ من الشيء الحقير، والازدراءُ بذلك ميراثٌ من الذين استنكرت عقولهم ضربَ الله تعالى في كتابه المثلَ بالذُّباب والعنكبوت والكلب والحمار؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾[البقرة: ٢٦]، فما أغزرَ الحِكَم وأكثرَها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرُها٣! وكم مِنْ دلالةٍ فيها على الخالق وحكمته ولطفه ورحمته!
فسَلِ المعطِّل: من ألهمَها هذه الحِيَل والتلطُّفَ في اقتناص صيدها الذي جُعِل قوتَها؟!٤ ومن جعل هذه الحِيَل فيها بدل ما سَلَبها من القوَّة والقدرة، فأغناها بما أعطاها٥ من الحيلة عما سَلَبها من القوَّة والقدرة سوى اللطيف الخبير؟!
(١) (ر، ض): «الأشراك والحبائل».
(٢) «والنملة» ليست في (ح، ن).
(٣) (ت، ح): «وتحقرها».
(٤) (ت): «فوقها». (ح، ن): «قوامها».
(٥) (ح، ن): «ما أعطاها».
فصل١
ثمَّ تأمَّل جسمَ الطَّائر وخِلقَته؛ فإنه حين قُدِّر بأن يكون طائرًا في الجوِّ خُفِّفَ جسمُه، وأُدْمِجَ خَلقُه، واقتُصِرَ به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن مخرج البول والزِّبل على واحدٍ يجمعُهما جميعًا.
ثمَّ خُلِقَ ذا جُؤْجُؤٍ٢ محدودٍ٣ ليسهُل عليه اختراقُ الهواء كيف توجَّه فيه، كما يُجْعَلُ صدرُ السَّفينة بهذه الهيئة ليشقَّ الماءَ بسرعةٍ ويَنْفُذ فيه، وجُعِلَت في جناحيه وذنبه رِيشاتٌ طِوالٌ مِتانٌ لينهض بها للطَّيران، وكُسِيَ جسمُه كلُّه الرِّيشَ ليتداخَله الهواءُ فيحمله.
ولمَّا قُدِّر أن كان٤ طعامُه اللَّحمَ والحَبَّ، يبلعُه بلعًا بلا مضغ، نُقِصَ من خَلْق الأسنان، وخُلِق له مِنقارٌ صُلبٌ يتناولُ به طعامه، فلا يَنْسَحِجُ٥ مِنْ لَقْطِ الحبِّ ولا يَنْقَصِفُ من نهش اللحم٦.