فهذا مِنْ فعله يشهدُ بأنه معطوفٌ على فِراخه لعلَّةٍ لا يعلمُها هو ولا يفكِّرُ فيها مِنْ دوام النَّسل وبقائه.
فصل١
ثمَّ تأمَّل خِلْقَة البيضة وما فيها من المُحِّ الأصفر الخاثر والماء الأبيض الرقيق، فبعضُه ينشأ منه الفَرخ، وبعضه يغتذي منه٢ إلى أن يخرجَ من البيضة، وما في ذلك من الحكمة.
فإنه لمَّا كان نشوءُ الفَرخ في تلك القشرة٣ المستحصِفة٤ التي لا نفاذَ فيها للواصِل٥ مِن خارج، جعَل معه في جوف البيضة٦ من الغذاء ما يكتفي به إلى خروجه.
فصل٧
وتأمَّل الحكمةَ في حَوْصَلة الطَّائر٨ وما قُدِّرَت له؛ فإنَّ مسلك
(٨) وهي انتفاخٌ في المريء يُختَزنُ فيه الغذاء قبل وصوله إلى المعدة. «المعجم الوسيط».
الطَّعام١ إلى القانِصة٢ ضيِّقٌ لا ينفُذ فيه الطَّعامُ إلا قليلًا، فلو كان الطَّائرُ لا يلتقطُ حبَّةً ثانيةً حتى تصل الأولى إلى جوفه لطال ذلك عليه، فمتى كان يستوفي طعامَه؟! وإنما يختلسُه اختلاسًا؛ لشدَّة الحذر، فجُعِلت له الحوصلةُ كالمِخلاة المعلَّقة أمامه ليُوعِيَ فيها ما ازدَردَ٣ من الطُّعم بسرعة، ثمَّ ينفُذ إلى القانِصة على مهَل.
وفي الحوصلة أيضًا خصلةٌ أخرى؛ فإنَّ من الطَّير ما يحتاجُ إلى أن يَزُقَّ فراخَه٤، فيكون ردُّه الطُّعمَ٥ مِنْ قُربٍ ليسهُل عليه.
فصل٦
ثمَّ تأمَّل هذه الألوانَ والأصباغَ والوَشْيَ التي تراها في كثيرٍ من الطير، كالطاووس والدُّرَّاج وغيرهما، التي لو خُطَّت بدقيق الأقلام ووُشِيَت بالأيدي لم يكن هذا.
فمِن أين في الطبيعة المجرَّدة هذا التشكيلُ والتخطيطُ والتلوينُ والصَّبغُ٧ العجيبُ البسيطُ والمركَّب، الذي لو اجتمعت الخليقةُ على أن
(١) (ح، ن): «فإن في مسلك الطعام».
(٢) وهي جزءٌ عضليٌّ من المعدة يتمُّ فيه طحنُ الغذاء. «المعجم الوسيط». وتحرفت في (ح، ن) إلى: «القابضة» في الموضعين.