الطَّعام١ إلى القانِصة٢ ضيِّقٌ لا ينفُذ فيه الطَّعامُ إلا قليلًا، فلو كان الطَّائرُ لا يلتقطُ حبَّةً ثانيةً حتى تصل الأولى إلى جوفه لطال ذلك عليه، فمتى كان يستوفي طعامَه؟! وإنما يختلسُه اختلاسًا؛ لشدَّة الحذر، فجُعِلت له الحوصلةُ كالمِخلاة المعلَّقة أمامه ليُوعِيَ فيها ما ازدَردَ٣ من الطُّعم بسرعة، ثمَّ ينفُذ إلى القانِصة على مهَل.
وفي الحوصلة أيضًا خصلةٌ أخرى؛ فإنَّ من الطَّير ما يحتاجُ إلى أن يَزُقَّ فراخَه٤، فيكون ردُّه الطُّعمَ٥ مِنْ قُربٍ ليسهُل عليه.
فصل٦
ثمَّ تأمَّل هذه الألوانَ والأصباغَ والوَشْيَ التي تراها في كثيرٍ من الطير، كالطاووس والدُّرَّاج وغيرهما، التي لو خُطَّت بدقيق الأقلام ووُشِيَت بالأيدي لم يكن هذا.
فمِن أين في الطبيعة المجرَّدة هذا التشكيلُ والتخطيطُ والتلوينُ والصَّبغُ٧ العجيبُ البسيطُ والمركَّب، الذي لو اجتمعت الخليقةُ على أن
(١) (ح، ن): «فإن في مسلك الطعام».
(٢) وهي جزءٌ عضليٌّ من المعدة يتمُّ فيه طحنُ الغذاء. «المعجم الوسيط». وتحرفت في (ح، ن) إلى: «القابضة» في الموضعين.
فتأمَّل ريشَ الطاووس كيف هو، فإنك تراه كنَسْج الثَّوب الرفيع من خيوطٍ رِفاعٍ جدًّا١، قد أُلِّف بعضُها إلى بعضٍ كتأليف الخيط إلى الخيط، بل الشَّعرة إلى الشَّعرة، ثمَّ ترى النَّسجَ إذا مَدَدتَه ينفتحُ قليلًا قليلًا ولا ينشقُّ؛ ليتداخَله الهواءُ، فيُقِلُّ٢ الطَّائر إذا طار، فترى في وسط الرِّيشة عمودًا غليظًا متينًا٣ قد نُسِجَ عليه ذلك الثَّوبُ الذي٤ كهيئة الشَّعر ليُمْسِكه بصلابته؛ وهو القَصَبةُ التي تكونُ في وسط الرِّيشة، وهو مع ذلك أجوفُ؛ ليشتمل على الهواء، فيحمل الطَّائر.
فأيُّ طبيعةٍ فيها هذه الحكمةُ والخبرةُ واللُّطف؟!
ثمَّ لو كان ذلك في الطبيعة كما يقولون٥ لكانت من أدلِّ الدَّلائل وأعظم البراهين على قدرة مبدعها ومنشئها وعلمِه وحكمته، فإنه لم يكن لها ذلك من نفسها، بل إنما هو لها ممَّن خلقها وأبدعها.
فما كذَّبه المعطِّل هو أحدُ البراهين والآيات التي٦ على مثلها يزدادُ إيمانُ المؤمنين. وهكذا آياتُ الله يضلُّ بها من يشاء ويهدي من يشاء.
(١) (ر، ض): «سلوك دقاق». وهي الخيوط.
(٢) (د، ت، ق): «فيقتل». (ح): «فيثقل». (ن): «فينتقل». والمثبت من (ر، ض)، وهو الصواب، وانظر آخر الفقرة.