فتأمَّل ريشَ الطاووس كيف هو، فإنك تراه كنَسْج الثَّوب الرفيع من خيوطٍ رِفاعٍ جدًّا١، قد أُلِّف بعضُها إلى بعضٍ كتأليف الخيط إلى الخيط، بل الشَّعرة إلى الشَّعرة، ثمَّ ترى النَّسجَ إذا مَدَدتَه ينفتحُ قليلًا قليلًا ولا ينشقُّ؛ ليتداخَله الهواءُ، فيُقِلُّ٢ الطَّائر إذا طار، فترى في وسط الرِّيشة عمودًا غليظًا متينًا٣ قد نُسِجَ عليه ذلك الثَّوبُ الذي٤ كهيئة الشَّعر ليُمْسِكه بصلابته؛ وهو القَصَبةُ التي تكونُ في وسط الرِّيشة، وهو مع ذلك أجوفُ؛ ليشتمل على الهواء، فيحمل الطَّائر.
فأيُّ طبيعةٍ فيها هذه الحكمةُ والخبرةُ واللُّطف؟!
ثمَّ لو كان ذلك في الطبيعة كما يقولون٥ لكانت من أدلِّ الدَّلائل وأعظم البراهين على قدرة مبدعها ومنشئها وعلمِه وحكمته، فإنه لم يكن لها ذلك من نفسها، بل إنما هو لها ممَّن خلقها وأبدعها.
فما كذَّبه المعطِّل هو أحدُ البراهين والآيات التي٦ على مثلها يزدادُ إيمانُ المؤمنين. وهكذا آياتُ الله يضلُّ بها من يشاء ويهدي من يشاء.
(١) (ر، ض): «سلوك دقاق». وهي الخيوط.
(٢) (د، ت، ق): «فيقتل». (ح): «فيثقل». (ن): «فينتقل». والمثبت من (ر، ض)، وهو الصواب، وانظر آخر الفقرة.
(٣) (ت): «منبنيا». (ح، ن): «مبنيا».
(٤) (ح، ن): «التي». وسقطت من (ق).
(٥) (ق، ت): «تقولون».
(٦) «التي» ليست في (ق).
فصل١
تأمَّل هذا الطَّائر الطَّويل السَّاقين، واعرِف المنفعةَ في طول ساقَيْه؛ فإنه يرعى أكثر مرعاهُ في ضَحْضاحٍ من الماء، فتراه يركزُ٢ على ساقَيه كأنه ربيئةٌ فوق مَرْقَب٣، ويتأمَّلُ ما دبَّ في الماء؛ فإذا رأى شيئًا من حاجته خطا خطوًا رفيقًا حتى يتناوله، ولو كان قصيرَ القائمتين كان [حين]٤ يخطو نحو الصَّيد ليأخذَه يَصْفِقُ بطنُه الماءَ٥ فيثوِّرُه، ويَذْعَرُ الصَّيدُ منه فيَنْفِر٦، فخُلِقَ له ذانِك العمودان ليدرك بهما حاجتَه ولا يَفْسُدَ عليه مطلبُه.
وكلُّ طائرٍ فله نصيبٌ من طول السَّاقين والعُنق؛ ليمكنَه تناولُ الطُّعم٧ من الأرض، ولو طال ساقاه وقَصُرَت عنقُه لم يمكنه أن يتناول شيئًا من الأرض، وربَّما أعينَ مع طول عنقه٨ بطول المنقار ليزداد مطلبُه سهولةً عليه وإمكانًا.
(٣) (ح، ن): «كأنه دسة فوق مركب». والربيئة: الطليعة الذي يَرْقُبُ العدوَّ، ولا يكون إلا على جبلٍ أو شَرَفٍ ينظر منه. والمَرْقَب: الموضعُ المُشْرِف يرتفعُ عليه الرقيب.
(٤) زيادة يقتضيها السياق من (ر) و«المدهش» (٥٨٩). وفي (ض): «وكان».