تأمَّل هذا الطَّائر الطَّويل السَّاقين، واعرِف المنفعةَ في طول ساقَيْه؛ فإنه يرعى أكثر مرعاهُ في ضَحْضاحٍ من الماء، فتراه يركزُ٢ على ساقَيه كأنه ربيئةٌ فوق مَرْقَب٣، ويتأمَّلُ ما دبَّ في الماء؛ فإذا رأى شيئًا من حاجته خطا خطوًا رفيقًا حتى يتناوله، ولو كان قصيرَ القائمتين كان [حين]٤ يخطو نحو الصَّيد ليأخذَه يَصْفِقُ بطنُه الماءَ٥ فيثوِّرُه، ويَذْعَرُ الصَّيدُ منه فيَنْفِر٦، فخُلِقَ له ذانِك العمودان ليدرك بهما حاجتَه ولا يَفْسُدَ عليه مطلبُه.
وكلُّ طائرٍ فله نصيبٌ من طول السَّاقين والعُنق؛ ليمكنَه تناولُ الطُّعم٧ من الأرض، ولو طال ساقاه وقَصُرَت عنقُه لم يمكنه أن يتناول شيئًا من الأرض، وربَّما أعينَ مع طول عنقه٨ بطول المنقار ليزداد مطلبُه سهولةً عليه وإمكانًا.
(٣) (ح، ن): «كأنه دسة فوق مركب». والربيئة: الطليعة الذي يَرْقُبُ العدوَّ، ولا يكون إلا على جبلٍ أو شَرَفٍ ينظر منه. والمَرْقَب: الموضعُ المُشْرِف يرتفعُ عليه الرقيب.
(٤) زيادة يقتضيها السياق من (ر) و«المدهش» (٥٨٩). وفي (ض): «وكان».
ثمَّ تأمَّل هذه العصافيرَ كيف تطلُب أكلَها بالنَّهار كلِّه، فلا هي تفقدُه ولا هي تجدُه مجموعًا مُعَدًّا، بل تنالُه بالحركة والطلب في الجهات والنَّواحي، فسبحان الذي قدَّره ويسَّره، كيف لم يجعله مما يتعذَّرُ عليها إذا التمسَته، ولا مما يفُوتها إذا قعدَت عنه، وجعلها قادرةً عليه في كلِّ حينٍ وأوان، وبكلِّ أرضٍ ومكان، حتى من الجدران والأسطحة والسُّقوف، تنالُه بالهُوَينا من السَّعي، فلا يشاركُها فيه غيرُ بني جنسها من الطير.
ولو كان ما تقتاتُ به يوجدُ مُعَدًّا مجموعًا كلُّه كانت الطيرُ تَشْرَكُها فيه وتغلبُها عليه١. ولحكمة٢ أخرى بديعة؛ وذلك٣ أنها لو وجدَته مُعَدًّا مجموعًا لأكبَّت عليه بحرص الرَّغبة فلا تقلعُ٤ عنه وإن شبعَت حتى تَبْشَم وتهلك.
وكذلك الناسُ لو جُعِل طعامُهم مُعَدًّا لهم بغير سعيٍ ولا تعبٍ لأخرجهم وُجدانُهم له كذلك٥ إلى الشَّره والبِطْنة والبَرَدة٦، ولكثُر الفسادُ وعمَّت الفواحش، ولبغَوا في الأرض.
فسبحان اللطيف الخبير الذي لم يخلق شيئًا سدًى ولا عبثًا.
(٦) مهملة في (ق). (ت، د): «والرده». وعلق ابن بردس في طرة (د): «لعلها: والبرده». وليست في (ح، ن). والبَرَدة: التُّخمة وثقل الطعام على المعدة. سمِّيت بذلك لأنها تبرد المعدة فلا تستمرئ الطعام. «النهاية» (برد).