ثمَّ تأمَّل هذه العصافيرَ كيف تطلُب أكلَها بالنَّهار كلِّه، فلا هي تفقدُه ولا هي تجدُه مجموعًا مُعَدًّا، بل تنالُه بالحركة والطلب في الجهات والنَّواحي، فسبحان الذي قدَّره ويسَّره، كيف لم يجعله مما يتعذَّرُ عليها إذا التمسَته، ولا مما يفُوتها إذا قعدَت عنه، وجعلها قادرةً عليه في كلِّ حينٍ وأوان، وبكلِّ أرضٍ ومكان، حتى من الجدران والأسطحة والسُّقوف، تنالُه بالهُوَينا من السَّعي، فلا يشاركُها فيه غيرُ بني جنسها من الطير.
ولو كان ما تقتاتُ به يوجدُ مُعَدًّا مجموعًا كلُّه كانت الطيرُ تَشْرَكُها فيه وتغلبُها عليه١. ولحكمة٢ أخرى بديعة؛ وذلك٣ أنها لو وجدَته مُعَدًّا مجموعًا لأكبَّت عليه بحرص الرَّغبة فلا تقلعُ٤ عنه وإن شبعَت حتى تَبْشَم وتهلك.
وكذلك الناسُ لو جُعِل طعامُهم مُعَدًّا لهم بغير سعيٍ ولا تعبٍ لأخرجهم وُجدانُهم له كذلك٥ إلى الشَّره والبِطْنة والبَرَدة٦، ولكثُر الفسادُ وعمَّت الفواحش، ولبغَوا في الأرض.
فسبحان اللطيف الخبير الذي لم يخلق شيئًا سدًى ولا عبثًا.
(٦) مهملة في (ق). (ت، د): «والرده». وعلق ابن بردس في طرة (د): «لعلها: والبرده». وليست في (ح، ن). والبَرَدة: التُّخمة وثقل الطعام على المعدة. سمِّيت بذلك لأنها تبرد المعدة فلا تستمرئ الطعام. «النهاية» (برد).
وانظر في هذه الطير التي لا تخرجُ إلا بالليل، كالبُوم والهام والخفَّاش، فإنَّ أقواتها هيِّئت لها في الجوِّ، لا من الحَبِّ ولا من اللحم، بل من البعوض والفَراش وأشباههما مما تلتقطُه من الجوِّ، فتأخذُ منه بقَدْر حاجتها ثمَّ تأوي إلى بيوتها فلا تخرجُ إلى مثل ذلك الوقت من الليل.
وذلك أنَّ هذه الضُّروبَ من البعوض والفَراش وأشباههما مبثوثةٌ في الجوِّ لا يكادُ يخلو منها موضعٌ منه. واعتبِرْ ذلك بأن تضعَ سراجًا بالليل في سطح أو عَرْصَة الدَّار١، فيجتمعُ عليه من هذا الضَّرب شيءٌ كثير.
وهذا الضَّربُ من الفَراش ونحوها ناقصُ الفطنة، ضعيفُ الحيلة، ليس في الطَّير أضعفُ منه ولا أجهل، وفيما ترى مِنْ تهافُته٢ في النَّار وأنت تطرده عنها حتى يحرق نفسَه٣ دليلٌ على ذلك.
فجعل معاشَ هذه الطُّيور التي تخرجُ بالليل من هذا الضَّرب، فتقتاتُ منه، فإذا أتى بالنهار انقطعَت إلى أوكارها؛ فالليلُ لها بمنزلة نهار غيرها من الطَّير، ونهارُها بمنزلة ليل غيرها، ومع ذلك فسَاق لها الذي تكفَّل بأرزاق الخلقِ رزقَها، وخلَقه لها في الجوِّ، ولم يَدَعها بلا رزقٍ مع ضعفها وعجزها.
وهذه إحدى الحِكَم والفوائد في خَلْق هذه الفَراش والجنادِب والبعوض؛ فكم فيها من رزقٍ لأمَّةٍ تسبِّحُ بحمد ربها! ولولا ذلك لانتشرَت وكثُرت حتى أضرَّت بالنَّاس ومنعتهم القرار.
(١) وهي وسطُها. وقيل: كل بقعةٍ بين الدور واسعةٍ ليس فيها بناء. «اللسان».