وهذا كذبٌ عليه وعلى الخِلْقة؛ لأنه يبُول، وقد تكلَّم الفقهاءُ في بوله: هل هو نجسٌ لأنه بولُ غيرِ مأكولٍ؟ أو نجسٌ معفوٌّ عن يسيره لمشقَّة التحرُّز منه؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد.
وبعضُ الفقهاء لا ينجِّسُ بولَه بحالٍ، وهذا أقيسُ الأقوال١؛ إذ لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسُه على الأبوال النَّجسة؛ لعدم الجامع المؤثِّر، ووضوح الفرق. وليس هذا موضع استيفاء الحجج في هذه المسألة من الجانبين٢.
والمقصودُ أنه لو كان لا يأكلُ شيئًا لم يكن له أسنان، إذ لا معنى للأسنان في حقِّ من لا يأكلُ شيئًا، ولهذا لما عَدِم الطفلُ الرضيعُ الأكلَ لم يُعْط الأسنان، فلما كبر واحتاج إلى الغذاء أُعِينَ عليه بالأسنان التي تقطعُه والأضراس التي تطحنُه.
وليس في الخليقة شيءٌ مهمل، ولا عن الحكمة بمعطَّل، ولا شيءٌ لا معنى له.
وأمَّا الحِكَمُ والمنافعُ في خَلْق الخفَّاش، فقد ذكر منها الأطبَّاءُ في كتبهم ما انتهت إليه معرفتُهم٣، حتى إنَّ بوله٤ يدخلُ في بعض الأكحال٥،
فإذا كان هذا بوله الذي لا يخطرُ بالبال أنَّ فيه منفعةً البتة، فما الظَّنُّ بجُملته؟!
ولقد أخبَر بعض من شُهِدَ١ بصدقه أنه رأى دُخَّلًا٢ ــ وهو طائرٌ معروف ــ قد عَشَّش في شجرة، فنظر إلى حيَّةٍ عظيمةٍ قد أقبلت نحو عُشِّه فاتحةً فاها لتبتلعه، فبينما هو يضطربُ في حيلة النَّجاة منها إذ وَجَد حَسَكةً٣ في العُشِّ، فحملها فألقاها في فَم الحيَّة، فلم تزل تلتوي حتى ماتت٤.
فصل٥
ثمَّ تأمَّل أحوال النَّحل وما فيها من العِبَر والآيات.
(١) (ق): «شهر».
(٢) (ق، د): «رخلا». (ن): «رخما». (ح): «رخا». (ت): «رجلا»!. وكل أولئك تحريف. والمثبت من (ر). وفي (ض)، و«بحار الأنوار» (٣/ ١٠٨، ٦١/ ٦٩): «ابن تمرة»، وهو طائر صغير. وفي «البصائر والذخائر»: «عصفورا». والدُّخَّل: طائر صغير مثل العصفور يأوي إلى الغِيران والشجر الملتف. «معجم الحيوان» (٢٤٢، ٢٤٣، ٢٦١). أما الرخُّ فطائرٌ أسطوريٌّ ضخم جدًّا، والرخمة تشبه النسر ولا تعشِّش في الأشجار بل تختار لبيضها أطراف الجبال الشاهقة وصدع الصخور، كما في «معجم الحيوان» (٢٠٧، ٢٥٩)؛ فلا يناسب ذكرهما ما ترومه القصة من بيان عظيم لطف الله في هبة الضعيف ما يحتال به للدفاع عن نفسه.
(٣) وهي شوكةٌ صلبةٌ معروفة. وفي طرة (ح): «لعله: خفاشًا»، ذهَب إلى أن السِّياق في بيان منافع وحِكَم خلق الخفاش، فلم يصب.