فانظُر إليها وإلى اجتهادها١ في صَنعة العسل وبنائها البيوتَ المسدَّسة التي هي من أتمِّ الأشكال وأحسنها استدارةً وأحكمها صنعًا، فإذا انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ لم يكن بينها٢ فُرجةٌ ولا خَلَل، كلُّ هذا بغير مقياسٍ ولا آلةٍ ولا بِرْكار٣.
فتأمَّل كمال طاعتها وحُسْنَ ائتمارها٤ لأمر ربها تعالى، كيف٥ اتَّخذت بيوتها من هذه الأمكنة الثَّلاثة: في الجبال والشقفانات٦، وفي الشَّجر، وفي بيوت الناس حيثُ يَعْرِشُون، أي: يبنون العُروش٧ وهي
(١) في الأصول: «اجسادها». والمثبت من (ط)، وهو أشبه.
(٦) مفردها: شَقِيف. والجمع: شقفان. وجمع الجمع: شقفانات. كلمة آرامية سريانية، تطلق على الكهف والمغارة والصخر الشاهق المشرف. انظر: «معجم البلدان» (٣/ ٣٥٦)، و«الروضتين» لأبي شامة (٣/ ١٠٦)، و«معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية» لأنيس فريحة (٩٧).
(٧) (ت): «أي: في هذه الأمكنة يبنون العروش».
البيوت. فلا يُرى للنَّحل بيتٌ غير هذه الثَّلاثة البتة.
وتأمَّل كيف أكثرُ بيوتها في الجبال والشقفان، وهو البيتُ المقدَّمُ في الآية، ثمَّ في الأشجار، وهي مِنْ أكثر بيوتها١، وفيما يَعْرِشُ الناس، وأقلُّ بيوتها بينهم حيثُ يَعْرِشُون، وأما في الجبال والشجر بيوتٌ٢ عظيمةٌ يؤخذُ منها من العسل٣ الكثيرُ جدًّا.
وتأمَّل كيف أدَّاها حُسْنُ الامتثال إلى أن ا تخذت البيوتَ قبل المرعى؛ فهي تتَّخذ البيوتَ أوَّلًا، ثمَّ إذا استقرَّ لها بيتٌ خرجت منه فرعَت وأكلت من الثِّمار، ثمَّ أوتْ إلى بيوتها؛ لأنَّ ربها سبحانه أمرها با تخاذ البيوت أوَّلًا، ثمَّ بالأكل بعد ذلك، ثمَّ إذا أكلت سلكت سُبلَ ربها مذلَّلةً لها٤ لا يستَوعِرُ عليها شيءٌ، ترعى ثمَّ تعود.
ومن عجيب شأنها أنَّ لها أميرًا يسمَّى: «اليَعْسُوب» لا يتمُّ لها رواحٌ ولا إيابٌ ولا عملٌ ولا مرعًى إلا به، فهي مؤتمرةٌ لأمره، سامعةٌ له مطيعة، وله عليها تكليفٌ وأمرٌ ونهي، وهي رعيَّةٌ له٥، منقادةٌ لأمره، متَّبعةٌ لرأيه، يدبِّرها كما يدبِّرُ الملكُ أمرَ رعيَّته، حتى إنها إذا أوتْ إلى بيوتها وقفَ على
(١) «حياة الحيوان» (٤/ ٣٢): «وهي دون ذلك». وقد نقل الدميريُّ من هذا الموضع دون تصريح، وصرَّح بالنقل في موضعٍ آخر.
(٢) كذا في الأصول، بحذف الفاء من جواب (أما). وهي لغةٌ قليلة، ولها شواهد، وزعم بعضهم أنها ضرورةٌ في الشعر، وليس كذلك، والجادة إثباتها. انظر: «شواهد التوضيح» (١٣٦)، و«فتح الباري» (١٠/ ٣٦).