مفتاح دار السعادة

باب البيت فلا يدعُ واحدةً تزاحمُ الأخرى ولا تتقدَّم عليها في العُبور، بل تَعْبُرُ بيوتها واحدةً بعد واحدةٍ بغير تزاحُمٍ ولا تصادمٍ ولا تراكُم، كما يفعلُ الأميرُ إذا انتهى بعسكره إلى معْبرٍ ضيِّقٍ لا يجُوزه إلا واحدٌ واحد.

ومن تدبَّر أحوالها وسياستَها وهدايتها، واجتماعَ شملها، وانتظامَ أمرها، وتدبيرَ مُلْكِها، وتفويض كلِّ عملٍ إلى واحدٍ منها= يتعجَّبُ منها كلَّ العجب، ويعلمُ أنَّ هذا ليس في مقدورها ولا هو مِنْ ذاتها؛ فإنَّ هذه أعمالٌ محكمةٌ متقنةٌ في غاية الإحكام والإتقان، فإذا نظرتَ إلى العامل١ رأيتَه مِنْ أضعف خلق الله وأجهَلِه بنفسه وبحاله، وأعجَزِه٢ عن القيام بمصلحته فضلًا عمَّا يصدُر منه من الأمور العجيبة.

ومن عجيب أمرها أنَّ أميرين فيها لا يجتمعان٣ في بيتٍ واحد، ولا يتأمَّران على جمعٍ واحد، بل إذا اجتمع منها جُنْدان وأميران قتلوا أحدَ الأميرين وقطَّعوه واتفقوا على الأمير الواحد، مِنْ غير معاداةٍ بينهم ولا أذًى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدًا واحدةً وجندًا واحدًا.

فصل

ومن عجيب أمرها ما لا يهتدي له أكثرُ الناس ولا يعرفونه؛ وهو النِّتاجُ الذي يكونُ لها، هل هو على وجه الولادة أو التَّولُّد والاستحالة؟٤ فقَلَّ من

  1. (١) (ح، ن): «القائل».
  2. (٢) (ت): «وأجهلهم ... وأعجزهم».
  3. (٣) (ح، ن): «أن فيها أميرين لا يجتمعان». والمثبت أجود.
  4. (٤) (ح): «الولادة والتولد أو الاستحالة». وفي (ت، ق): «الولادة والتولد والاستحالة». (د): «الولادة والتوالد والاستحالة».
708

يعرفُ ذلك أو يَفْطِنُ له١.

وليس نِتاجُها على واحدٍ من هذين الوجهين، وإنما نِتاجُها بأمرٍ مِنْ أعجب العجب، فإنها إذا ذهبت إلى المرعى أخذَت تلك الأجزاءَ الصَّافيةَ التي على الوَرَق، من الورد والزَّهر والحشيش وغيره، وهي الطَّلُّ؛ فتمصُّها، وذلك مادةُ العسل، ثمَّ أنها تكبِسُ٢ الأجزاءَ المنعقدةَ على وجه الورقة وتَعْقِدُها على رِجْلِها كالعَدَسَة، فتملأ بها المسدَّسات الفارغة من العسل، ثمَّ يقومُ يَعْسُوبها على بيته مبتدئًا منه، فينفخُ فيه، ثمَّ يطوفُ على تلك البيوت بيتًا بيتًا وينفخُ فيها كلِّها، فتدبُّ فيها الحياةُ بإذن الله ﷿، فتتحرَّكُ وتخرجُ طيورًا بإذن الله٣.

وتلك إحدى الآيات والعجائب التي قلَّ من يتفطَّنُ إليها، وهذا كلُّه من ثمرة ذلك الوحي الإلهيِّ، أفادها وأكسَبها٤ هذا التَّدبير والسَّفر والمعاشَ والبناءَ والنِّتاج.

فسَل المعطِّل الضالَّ٥: من الذي أوحى إليها أمرَها وجَعَل ما جَعَل في طباعها؟! ومن الذي سهَّل لها سُبلَه ذُللًا منقادةً لا تستعصي٦ عليها ولا

  1. (١) انظر: «الفِصَل» (٥/ ٢٧٨).
  2. (٢) (ح، ن): «تلبس».
  3. (٣) الثابت اليوم علميًّا أن ملكة النحل تضع بيضها في تلك البيوت، بعد أن يلقحها الذكر خلال عملية التزاوج بسائله المنوي، فإذا فقست تولت شغَّالات النحل تغذية تلك اليرقات حتى تكبر. «الموسوعة العربية العالمية».
  4. (٤) (ح، ن): «وألبسها».
  5. (٥) «الضال» ليست في (ح).
  6. (٦) (ح، ت): «يستعصي». (ن): «يتعصى».
709

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي