وليس نِتاجُها على واحدٍ من هذين الوجهين، وإنما نِتاجُها بأمرٍ مِنْ أعجب العجب، فإنها إذا ذهبت إلى المرعى أخذَت تلك الأجزاءَ الصَّافيةَ التي على الوَرَق، من الورد والزَّهر والحشيش وغيره، وهي الطَّلُّ؛ فتمصُّها، وذلك مادةُ العسل، ثمَّ أنها تكبِسُ٢ الأجزاءَ المنعقدةَ على وجه الورقة وتَعْقِدُها على رِجْلِها كالعَدَسَة، فتملأ بها المسدَّسات الفارغة من العسل، ثمَّ يقومُ يَعْسُوبها على بيته مبتدئًا منه، فينفخُ فيه، ثمَّ يطوفُ على تلك البيوت بيتًا بيتًا وينفخُ فيها كلِّها، فتدبُّ فيها الحياةُ بإذن الله ﷿، فتتحرَّكُ وتخرجُ طيورًا بإذن الله٣.
وتلك إحدى الآيات والعجائب التي قلَّ من يتفطَّنُ إليها، وهذا كلُّه من ثمرة ذلك الوحي الإلهيِّ، أفادها وأكسَبها٤ هذا التَّدبير والسَّفر والمعاشَ والبناءَ والنِّتاج.
فسَل المعطِّل الضالَّ٥: من الذي أوحى إليها أمرَها وجَعَل ما جَعَل في طباعها؟! ومن الذي سهَّل لها سُبلَه ذُللًا منقادةً لا تستعصي٦ عليها ولا
(١) انظر: «الفِصَل» (٥/ ٢٧٨).
(٢) (ح، ن): «تلبس».
(٣) الثابت اليوم علميًّا أن ملكة النحل تضع بيضها في تلك البيوت، بعد أن يلقحها الذكر خلال عملية التزاوج بسائله المنوي، فإذا فقست تولت شغَّالات النحل تغذية تلك اليرقات حتى تكبر. «الموسوعة العربية العالمية».
(٤) (ح، ن): «وألبسها».
(٥) «الضال» ليست في (ح).
(٦) (ح، ت): «يستعصي». (ن): «يتعصى».
تستوعرُها ولا تضلُّ عنها على بُعدها؟! ومن الذي هداها لشأنها؟!
ومن الذي أنزل لها من الطَّلِّ ما إذا جَنَته ردَّته عسلًا صافيًا مختلفًا ألوانُه في غاية الحلاوة واللَّذاذة والمنفعة، مِنْ بين أبيض يُرى فيه الوجهُ أعظمَ من رؤيته في المرآة ــ وسمَّاه لي من جاء به١، وقال: هذا أفخرُ ما يعرفُ الناسُ من العسل وأصفاه وأطيبُه، فإذا طعمُه ألذُّ شيءٍ يكونُ من الحلوى٢ ــ، ومِنْ بين أحمرَ وأخضرَ ومُورَّدٍ وأسودَ وأشقرَ٣ وغير ذلك من الألوان والطُّعوم المختلفة فيه بحسب مَراعيه ومادَّتها.
وإذا تأمَّلتَ ما فيه من المنافع والشِّفاء، ودخولَه في غالب الأدوية، حتى كان المتقدِّمون لا يعرفون السُّكَّر ولا هو مذكورٌ في كتبهم أصلًا، وإنما كان الذي يستعملونه في الأدوية هو العسل، وهو المذكورُ في كتب القوم.
ولعمرُ الله إنه لأنفعُ من السُّكَّر، وأجدى وأجلى للأخلاط، وأقمَعُ لها وأذهبُ لضررها، وأقوى للمعدة، وأشدُّ تفريحًا للنفس، وتقويةً للأرواح، وتنفيذًا للدَّواء، وإعانةً له على استخراج الدَّاء من أعماق البدن.
ولهذا لا يجيءُ في شيءٍ من الحديث قطُّ ذكرُ السُّكَّر، ولا كانوا يعرفونه أصلًا٤،
ولو عُدِم من العالم لما احتاج إليه، ولو عُدِم العسلُ لاشتدَّت
(١) (ح، ن): «وسماه لمن جاء به».
(٢) (ت): «فإذا طعمه الذي أشد من الحلوى».
(٣) (ق، د): «وأصفر».
(٤) ورد ذكره في حديثٍ أخرجه الترمذي (٢٤٠٤) بإسناد ضعيفٍ جدًّا. وفي حديثٍ آخر في صفة الحوض صحَّحه المصنفُ في «زاد المعاد» (٤/ ٣٥٥)، وقال: «ولا أعرف السُّكَّر في الحديث إلا في هذا الموضع». ولم أقف على هذا الحديث ولا أظنه يصحُّ مرفوعًا، ولعل ذكر «السُّكَّر» فيه من تصرُّف بعض الرواة. وانظر: «فيض القدير» (٢/ ٤٤٨). وأمَّا ما في «الصحيح» من أنه ﷺ كان يحب الحلواء والعسل؛ فالمراد بالحلواء كل حُلْوٍ، وإن لم تدخله الصَّنعة، كالفاكهة. وأصل لفظة «السُّكَّر» فارسيَّةٌ معرَّبة. انظر: «الصحاح» (سكر)، و«قصد السبيل» (٢/ ١٤٣) وحاشيته.