مفتاح دار السعادة

فيقلبُه الله ﵎ مِنْ صورة الدَّم وطبعه وطعمه إلى صورة اللَّبن وطبعه وطعمه؛ فاستُخرِجَ من الفَرْث والدَّم.

فسَل المعطِّل الجاحد: من الذي دبَّر هذا التَّدبير، وقدَّر هذا التقدير، وأتقنَ هذا الصُّنع، ولَطَف هذا اللُّطفَ سوى اللطيف الخبير؟!

فصل١

ثمَّ تأمَّل العِبرة في السَّمك وكيفية خِلْقته:

فإنه خُلِق غيرَ ذي قوائم؛ لأنه لا يحتاجُ إلى المشي؛ إذ كان مسكنُه٢ الماء.

ولم تُخلق له رئةٌ؛ لأنَّ منفعةَ الرِّئة التنفُّسُ، والسَّمكُ لم يحتج إليه؛ لأنه ينغمسُ في الماء.

وخُلِقَت له عِوَض القوائم أجنحةٌ شدادٌ يَقْذِفُ بها مِنْ جانبيه، كما يَقْذِفُ صاحبُ المركب بالمقاذيف٣ مِنْ جانبي السَّفينة.

وكُسِيَ جلدُه قشورًا متداخلةً كتداخُل الجَوْشَن٤ ليَقِيَه من الآفات.

وأُعِينَ بقوَّة الشمِّ؛ لأنَّ بصره ضغيفٌ، والماءُ يحجُبه، فصار يشمُّ الطَّعام مِنْ بُعْدٍ فيقصدُه.

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٤٢)، «توحيد المفضل» (٧٥ - ٧٧).
  2. (٢) (ت): «مسلكه».
  3. (٣) (ت): «المقاديف». وهي المجاديف.
  4. (٤) الدرع. «اللسان» (جشن). (ض): «كتداخل الدروع والجواشن».
715

وقد ذُكِر في بعض كتب الحيوان١ أنَّ مِنْ فِيه إلى صِماخَيْه٢ منافذَ فهو يعُبُّ٣ الماءَ فيها بفِيه، ويرسلُه من صِماخَيْه، فيتروَّحُ بذلك، كما يأخذُ الحيوانُ النَّسيمَ الباردَ بأنفه ثمَّ يرسلُه ليتروَّحَ به٤.

فإنَّ الماء للحيوان البحريِّ كالهواء للحيوان البريِّ، فهما بَحْران أحدُهما ألطفُ من الآخَر: بحرُ هواءٍ يَسْبَحُ فيه حيوانُ البرِّ، وبحرُ ماءٍ يَسْبَحُ فيه حيوانُ البحر، فلو فارق كلٌّ من الصِّنفين بحرَه إلى البحر الآخر مات، فكما يختنقُ الحيوانُ البرِّيُّ في الماء يختنقُ الحيوانُ البحريُّ في الهواء.

فسبحان من لا يحصي العادُّون آياته، ولا يحيطون بتفصيل آيةٍ منها على الانفراد، بل إن علموا منها وجهًا جَهِلوا منها أوجهًا.

فتأمَّل الحكمةَ البالغة في كَوْن السَّمك أكثر الحيوان نسلًا، ولهذا ترى في جوف السَّمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة.

وحكمةُ ذلك أن يتَّسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان؛ فإنَّ أكثرها يأكلُ السَّمك، حتى السِّباع؛ فإنَّ غالبها٥ في حافَات الآجام٦ جاثمةٌ

  1. (١) (ر): «وقد ذكر أرسطاطاليس».
  2. (٢) (ت، ق، ح): «صماخه».
  3. (٣) (ت، ن، ح): «يصب». تحريف.
  4. (٤) انظر: «حياة الحيوان» (٢/ ٥٥٣).
  5. (٥) (ق، ح، ن): «حتى السباع؛ لأنها».
  6. (٦) جمع أجَمة، وهي الشجر الكثير الملتفُّ. والمراد: أجَمة القصب، وهو نباتٌ مائي له سوقٌ طوال، ينمو حول الأنهار.
716

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي