مفتاح دار السعادة

فواحسرتاه على استقامةٍ مع الله وإيثارٍ لمرضاته في كلِّ حالٍ يمكَّنُ به الضعيفُ١ المُسْتضعَفُ حتى يَرى من استضعفَه أنه أولى بالله ورسوله منه!

ولكن اقتضت حكمةُ الله العزيز الحكيم أنْ يأكل الظَّالمُ الباغي ويتمتَّع٢ في خَفارة ذنوب المظلوم المبغيِّ عليه، فذنوبُه مِنْ أعظم أسباب الرحمة في حقِّ ظالمه، كما أنَّ المسؤول إذا رَدَّ السَّائل فهو في خَفارة كذبه، ولو صَدَق السَّائلُ لما أفلحَ من ردَّه٣، وكذلك السَّارقُ وقاطعُ الطَّريق في خَفارة مَنْع أصحاب الأموال حقوقَ الله فيها، ولو أدَّوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم.

وهذا أيضًا بابٌ عظيمٌ من حكمة الله، يُطْلِعُ النَّاظرَ فيه على أسرارٍ من أسرار التقدير٤، وتسليطِ العالم بعضِهم على بعض، وتمكين الجُناة والبُغاة.

فسبحان من له في كلِّ شيءٍ حكمةٌ بالغةٌ وآيةٌ باهرة، حتى إنَّ الحيوانات العادِيَة على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيشُ في خَفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلَّط عليهم منها شيء.

ولعلَّ هذا الفصل الطَّرديَّ٥ أنفعُ لمتأمِّله من كثيرٍ من الفصول المتقدِّمة؛ فإنه إذا أعطاه حقَّه من النَّظر والفكر عَظُم انتفاعُه به جدًّا، والله الموفق.

  1. (١) (ق): «للضعيف».
  2. (٢) (ن): «ويمنع». (ت): «ويمنع».
  3. (٣) وفي ذلك حديثٌ مشهورٌ لا يثبت، لكنَّ معناه صحيح. وانظر حوله موقفًا طريفًا في «مسائل الإمام أحمد» (٢/ ١٧٧) رواية ابن هاناء.
  4. (٤) (ت): «على أسرار التقدير».
  5. (٥) (ن): «المطرد».
719

ويحكى أنَّ بعض أصحاب الماشية كان يشوبُ اللبنَ١ ويبيعُه على أنه خالص، فأرسل الله عليه سيلًا فذهبَ بالغنم، فجعل يعجَب، فأُتي في منامه فقيل له: أتعجبُ مِنْ أخذِ السَّيل غنمَك؟! إنه٢ تلك القطراتُ التي شُبْتَ٣ بها اللَّبن، اجتمعَت وصارت سيلًا٤.

فقِسْ على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك، تعلَمْ حينئذٍ أنَّ الله قائمٌ بالقسط، وأنه قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبت، وأنه لا يظلمُ مثقال ذرَّة.

والأثر الإسرائيليُّ معروف: أنَّ رجلًا كان يشوبُ الخمرَ ويبيعُه على أنه خالص، فجَمعَ من ذلك كيسَ ذهبٍ وسافر به، فركبَ البحر ومعه قِرْدٌ له، فلمَّا نام أخذ القردُ الكيسَ وصعد به إلى أعلى المركب، ثمَّ فتحه وجعل يلقي دينارًا في الماء ودينارًا في المركب٥. كأنه يقالُ له٦ بلسان الحال: ثمنُ

  1. (١) (ح، ن): «يشيب اللبن».
  2. (٢) (ح): «إنما هي». (ن): «إن».
  3. (٣) (ق، د): «شيب». (ح): «التي كنت تشيب».
  4. (٤) انظر: «المدهش» (١/ ٣٨٩).
  5. (٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٦، ٣٣٦، ٤٠٧)، والحارث بن أبي أسامة (٤٢٥ ــ بغية الباحث)، وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا بإسنادٍ ظاهره الحُسْن، إلا أن البيهقيَّ أخرجه في «شعب الإيمان» (٤٩٢٤) من وجهٍ يُعِلُّه.
    وروي من طرقٍ أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥٨٥)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في «الشعب» (٩/ ٥٠٠)، وغيرهم.
    وروي من حديث أنس. أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٦) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، ونبَّه على الوهم فيه.
    وانظر تعليق محققي «المسند» (١٣/ ٤٢٠) طبعة الرسالة.
  6. (٦) (ق): «كأنه يقول له».
720

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي