مفتاح دار السعادة

ويحكى أنَّ بعض أصحاب الماشية كان يشوبُ اللبنَ١ ويبيعُه على أنه خالص، فأرسل الله عليه سيلًا فذهبَ بالغنم، فجعل يعجَب، فأُتي في منامه فقيل له: أتعجبُ مِنْ أخذِ السَّيل غنمَك؟! إنه٢ تلك القطراتُ التي شُبْتَ٣ بها اللَّبن، اجتمعَت وصارت سيلًا٤.

فقِسْ على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك، تعلَمْ حينئذٍ أنَّ الله قائمٌ بالقسط، وأنه قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبت، وأنه لا يظلمُ مثقال ذرَّة.

والأثر الإسرائيليُّ معروف: أنَّ رجلًا كان يشوبُ الخمرَ ويبيعُه على أنه خالص، فجَمعَ من ذلك كيسَ ذهبٍ وسافر به، فركبَ البحر ومعه قِرْدٌ له، فلمَّا نام أخذ القردُ الكيسَ وصعد به إلى أعلى المركب، ثمَّ فتحه وجعل يلقي دينارًا في الماء ودينارًا في المركب٥. كأنه يقالُ له٦ بلسان الحال: ثمنُ

  1. (١) (ح، ن): «يشيب اللبن».
  2. (٢) (ح): «إنما هي». (ن): «إن».
  3. (٣) (ق، د): «شيب». (ح): «التي كنت تشيب».
  4. (٤) انظر: «المدهش» (١/ ٣٨٩).
  5. (٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٦، ٣٣٦، ٤٠٧)، والحارث بن أبي أسامة (٤٢٥ ــ بغية الباحث)، وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا بإسنادٍ ظاهره الحُسْن، إلا أن البيهقيَّ أخرجه في «شعب الإيمان» (٤٩٢٤) من وجهٍ يُعِلُّه.
    وروي من طرقٍ أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥٨٥)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في «الشعب» (٩/ ٥٠٠)، وغيرهم.
    وروي من حديث أنس. أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٦) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، ونبَّه على الوهم فيه.
    وانظر تعليق محققي «المسند» (١٣/ ٤٢٠) طبعة الرسالة.
  6. (٦) (ق): «كأنه يقول له».
720

الماء صار إلى الماء، ولم نظلِمْك!

وتأمَّل الحكمةَ في حبس الله الغيثَ عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزَّكاة وحرموا المساكين، كيف جُوزوا على منع ما للمساكين قِبَلهم من القوت بمنع الله مادَّة القوت والرزق وحبسِها عنهم، يقالُ لهم١ بلسان الحال: مَنعتُم الحقَّ فمُنِعتُم الغيث، فهلَّا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلكم!

وتأمَّل حكمةَ الله تعالى في صَرْفِه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناسَ عنه، فصدَّهم عنه كما صدُّوا عبادَه، صدًّا بصدٍّ ومنعًا بمنع.

وتأمَّل حكمتَه تعالى في مَحْقِ أموال المرابينَ وتسليط المتلفات عليها٢، كما فعلوا بأموال الناس ومَحَقُوها عليهم وأتلفوها بالربا؛ جُوزوا إتلافًا بإتلاف، فقلَّ أن ترى مُرابيًا٣ إلا وآخرتُه إلى مَحْقٍ وقِلَّةٍ وحاجة.

وتأمَّل حكمتَه تعالى في تسليط العدوِّ على العباد إذا جار قويُّهم على ضعيفهم ولم يؤخذ للمظلوم حقُّه من ظالمه، كيف يسلَّطُ عليهم من يفعلُ بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواءً. وهذه سنَّته تعالى منذ قامت الدُّنيا إلى أن تطوى الأرضُ ويعيدُها كما بدأها.

وتأمَّل حكمتَه تعالى في أن جَعَل ملوكَ العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأنَّ أعمالهم ظهرت في صُوَر وُلاتهم وملوكهم؛ فإن استقاموا استقامت ملوكُهم، وإن عدلوا عدلوا عليهم، وإن جاروا جارت

  1. (١) (ت، ق): «فقال له». (د): «فقال لهم».
  2. (٢) (ح): «عليهم».
  3. (٣) (ق): «مراب».
721

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي