مفتاح دار السعادة

ملوكُهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكرُ والخديعةُ فوُلاتهم١ كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبَخِلوا بها منعت ملوكُهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحقِّ وبَخِلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممَّن يستضعفونه ما لا يستحقُّونه في معاملاتهم أخذت منهم الملوكُ ما لا يستحقُّونه وضربوا عليهم المُكوسَ والوظائف٢، وكلُّ ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجُه الملوكُ منهم بالقوَّة؛ فعمَّالهم ظهرت في صُوَر أعمالهم. وليس في الحكمة الإلهيَّة أن يولَّى على الأشرار الفجَّار إلا من يكونُ من جنسهم٣.

ولما كان الصَّدرُ الأوَّلُ خيارَ القرون وأبرَّها كانت ولاتُهم كذلك، فلمَّا شابوا شِيبَت٤ لهم الولاة، فحكمةُ الله تأبى أن يولَّى علينا في هذه الأزمان مثلُ معاوية وعمر بن عبد العزيز، فضلًا عن مثل أبي بكرٍ وعمر، بل ولاتُنا على قَدْرِنا وولاةُ من قبلنا على قَدْرِهم، وكلٌّ من الأمرين مُوجَبُ الحكمة ومقتضاها، ومن له فطنةٌ إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمةَ الإلهيَّة سائرةً٥ في القضاء والقدر، ظاهرةً وباطنةً فيه، كما في الخلق والأمر سواء.

فإياك أن تظنَّ بظنك الفاسد أنَّ شيئًا من أقضيته وأقداره عارٍ عن الحكمة البالغة، بل جميعُ أقضيته تعالى وأقداره واقعةٌ على أتمِّ وجوه الحكمة

  1. (١) (ق، ت): «فملوكهم».
  2. (٢) وهي الضرائب، جمع وظيفة، ما يقدَّر في زمانٍ معين.
  3. (٣) انظر: «سراج الملوك» (٤٦٧)، و«منهاج السنة» (٤/ ٣٢٨)، و«كشف الخفاء» (٢/ ١٨٤).
  4. (٤) (ح): «شيب».
  5. (٥) (ت، ق): «سارية».
722

والصَّواب، ولكنَّ العقول الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن إدراكها، كما أنَّ الأبصار الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن ضوء الشمس، وهذه العقولُ الصِّغارُ١ إذا صادفها الباطلُ جالت فيه وصالت، ونطقت وقالت، كما أنَّ الخفَّاش إذا صادفه ظلامُ الليل طار وسار.

خفافيشُ أعشاها النَّهارُ بضوئهولازَمها قِطْعٌ من الليلِ مُظْلِمُ٢

وتأمَّل حكمتَه ﵎ في عقوبات الأمم الخالية، وتنويعها عليهم بحسب تنوُّع جرائمهم٣، كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].

وتأمَّل حكمتَه تعالى في مَسْخ مَنْ مُسِخ من الأمم في صُوَرٍ مختلفةٍ مناسبةٍ لتلك الجرائم؛ فإنهم لما مُسِخَت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمةُ البالغةُ أن جُعِلت صورُهم على صورها؛

  1. (١) (ت): «الضعفاء». ولعلها: «الضعيفة» أو «الضعاف».
  2. (٢) البيت لابن الرومي، في ديوانه (١/ ١٥٧)، و«التمثيل والمحاضرة» (٣٧٤)، وغيرهما. وروايةُ الشطر الثاني في «الديوان» وغيره:
    * ولاءمها قِطْعٌ من الليل غيهبُ *
  3. (٣) (ق، ن، ت، د): «تنويع جرائمهم».
723

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي