مفتاح دار السعادة

والصَّواب، ولكنَّ العقول الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن إدراكها، كما أنَّ الأبصار الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن ضوء الشمس، وهذه العقولُ الصِّغارُ١ إذا صادفها الباطلُ جالت فيه وصالت، ونطقت وقالت، كما أنَّ الخفَّاش إذا صادفه ظلامُ الليل طار وسار.

خفافيشُ أعشاها النَّهارُ بضوئهولازَمها قِطْعٌ من الليلِ مُظْلِمُ٢

وتأمَّل حكمتَه ﵎ في عقوبات الأمم الخالية، وتنويعها عليهم بحسب تنوُّع جرائمهم٣، كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].

وتأمَّل حكمتَه تعالى في مَسْخ مَنْ مُسِخ من الأمم في صُوَرٍ مختلفةٍ مناسبةٍ لتلك الجرائم؛ فإنهم لما مُسِخَت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمةُ البالغةُ أن جُعِلت صورُهم على صورها؛

  1. (١) (ت): «الضعفاء». ولعلها: «الضعيفة» أو «الضعاف».
  2. (٢) البيت لابن الرومي، في ديوانه (١/ ١٥٧)، و«التمثيل والمحاضرة» (٣٧٤)، وغيرهما. وروايةُ الشطر الثاني في «الديوان» وغيره:
    * ولاءمها قِطْعٌ من الليل غيهبُ *
  3. (٣) (ق، ن، ت، د): «تنويع جرائمهم».
723

لتتمَّ المناسبةُ ويكمُل الشَّبه١، وهذا غايةُ الحكمة.

واعتبِر هذا بمن مُسِخوا قردةً وخنازير، كيف غَلبت عليهم صفاتُ هذه الحيوانات وأخلاقُها وأعمالها.

ثمَّ إن كنتَ من المتوسِّمين٢ فاقرأ هذه النُّسخةَ من وجوه أشباههم ونظرائهم، كيف تراها باديةً عليها وإن كانت مستورةً بصورة الإنسانية.

فاقرأ نسخةَ القردة من صور أهل المكر والخديعة والفسق الذين لا عقول لهم، بل هم أخفُّ النَّاس عقولًا، وأعظمُهم مكرًا وخداعًا وفسقًا٣. فإن لم تقرأ نسخةَ القردة من وجوههم فلست من المتوسِّمين.

واقرأ نسخةَ الخنازير من صور أشباههم، ولا سيَّما أعداءُ خيار خلق الله بعد الرُّسل، وهم أصحابُ رسول الله ﷺ؛ فإنَّ هذه النُّسخة ظاهرةٌ على وجوه الرَّافضة، يقرؤها كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتب، وهي تظهرُ وتخفى بحسب خِنزيريَّة القلب وخُبثه؛ فإنَّ الخنزيرَ أخبثُ الحيوانات وأردؤها طباعًا، ومن خاصَّته٤ أنه يدعُ الطيِّبات فلا يأكلُها ويقومُ الإنسانُ عن رجيعه فيبادرُ إليه.

فتأمَّل مطابقةَ هذا الوصف لأعداء الصَّحابة كيف تجدُه منطبقًا عليهم! فإنهم عَمَدوا إلى أطيب خلق الله وأطهرهم فعادوهم وتبرَّؤوا منهم، ثمَّ والَوا كلَّ عدوٍّ لهم من النصارى واليهود والمشركين، فاستعانوا في كلِّ زمانٍ على

  1. (١) (ح، ن): «التشبه».
  2. (٢) المتفرِّسين. من الوَسْم، وهو السِّمة والعلامة. «اللسان».
  3. (٣) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٦٧، ٣٤٢، ٣٤٥).
  4. (٤) (ح): «خاصيته». (ن): «خاصيتها».
724

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي