مفتاح دار السعادة

لتتمَّ المناسبةُ ويكمُل الشَّبه١، وهذا غايةُ الحكمة.

واعتبِر هذا بمن مُسِخوا قردةً وخنازير، كيف غَلبت عليهم صفاتُ هذه الحيوانات وأخلاقُها وأعمالها.

ثمَّ إن كنتَ من المتوسِّمين٢ فاقرأ هذه النُّسخةَ من وجوه أشباههم ونظرائهم، كيف تراها باديةً عليها وإن كانت مستورةً بصورة الإنسانية.

فاقرأ نسخةَ القردة من صور أهل المكر والخديعة والفسق الذين لا عقول لهم، بل هم أخفُّ النَّاس عقولًا، وأعظمُهم مكرًا وخداعًا وفسقًا٣. فإن لم تقرأ نسخةَ القردة من وجوههم فلست من المتوسِّمين.

واقرأ نسخةَ الخنازير من صور أشباههم، ولا سيَّما أعداءُ خيار خلق الله بعد الرُّسل، وهم أصحابُ رسول الله ﷺ؛ فإنَّ هذه النُّسخة ظاهرةٌ على وجوه الرَّافضة، يقرؤها كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتب، وهي تظهرُ وتخفى بحسب خِنزيريَّة القلب وخُبثه؛ فإنَّ الخنزيرَ أخبثُ الحيوانات وأردؤها طباعًا، ومن خاصَّته٤ أنه يدعُ الطيِّبات فلا يأكلُها ويقومُ الإنسانُ عن رجيعه فيبادرُ إليه.

فتأمَّل مطابقةَ هذا الوصف لأعداء الصَّحابة كيف تجدُه منطبقًا عليهم! فإنهم عَمَدوا إلى أطيب خلق الله وأطهرهم فعادوهم وتبرَّؤوا منهم، ثمَّ والَوا كلَّ عدوٍّ لهم من النصارى واليهود والمشركين، فاستعانوا في كلِّ زمانٍ على

  1. (١) (ح، ن): «التشبه».
  2. (٢) المتفرِّسين. من الوَسْم، وهو السِّمة والعلامة. «اللسان».
  3. (٣) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٦٧، ٣٤٢، ٣٤٥).
  4. (٤) (ح): «خاصيته». (ن): «خاصيتها».
724

حرب المؤمنين الموالين لأصحاب رسول الله ﷺ بالمشركين والكفَّار وصرَّحوا بأنهم خيرٌ منهم١. فأيُّ شبهٍ ومناسبةٍ أولى بهذا الضرب من الخنازير؟! فإن لم تقرأ هذه النُّسخة من وجوههم فلستَ من المتوسِّمين.

وأمَّا الأخبارُ التي تكادُ تبلغُ حدَّ التَّواتر٢ بمَسْخ مَنْ مُسِخ منهم عند الموت خنزيرًا فأكثرُ من أن تُذكرَ هاهنا، وقد أفرد لها الحافظُ محمَّد بن عبد الواحد المقدسي٣ كتابًا٤.

وتأمَّل حكمتَه تعالى في عذابه الأممَ السَّالفةَ بعذاب الاستئصال لمَّا كانوا أطول أعمارًا، وأعظمَ قُوى، وأعتى على الله وعلى رسله، فلما تقاصرت الأعمارُ وضعُفت القُوى رَفَعَ عذابَ الاستئصال وجَعَل عذابهم بأيدي المؤمنين، فكانت الحكمةُ في كلِّ واحدٍ من الأمرين ما اقتضته في وقته٥.

وتأمَّل حكمتَه ﵎ في إرسال الرُّسل في الأمم واحدًا بعد واحد، كلَّما مات واحدٌ خَلَفه آخر، لحاجتها إلى تتابع الرُّسل والأنبياء؛

  1. (١) انظر ما تقدم (ص: ١٩٩) والتعليق عليه.
  2. (٢) (ت، د): «عدد التواتر».
  3. (٣) ضياء الدين، صاحب التصانيف والرحلة الواسعة (ت: ٦٤٣). انظر: «السير» (٢٣/ ١٢٦)، و«ذيل طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٣٦).
  4. (٤) ظاهر كلام المصنف أنه كتابٌ مفردٌ لهذه الأخبار. ولم أقف علاه. ولعلَّه قصد كتابه «النهي عن سبِّ الأصحاب، وما ورد فيه من الذمِّ والعقاب»؛ فإنَّ فيه بعض تلك الأخبار (٣٩، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢)، وهو الذي ذكره ابن تيمية حين حديثه عن المسألة في «منهاج السنة» (١/ ٤٨٥)، و«الصارم المسلول» (٣/ ١١١٢). وانظر: «الاستقامة» (١/ ٣٦٥)، و«الرد على البكري» (٢/ ٦٩٣).
  5. (٥) (ن): «وفي وقته».
725

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي