حرب المؤمنين الموالين لأصحاب رسول الله ﷺ بالمشركين والكفَّار وصرَّحوا بأنهم خيرٌ منهم١. فأيُّ شبهٍ ومناسبةٍ أولى بهذا الضرب من الخنازير؟! فإن لم تقرأ هذه النُّسخة من وجوههم فلستَ من المتوسِّمين.
وأمَّا الأخبارُ التي تكادُ تبلغُ حدَّ التَّواتر٢ بمَسْخ مَنْ مُسِخ منهم عند الموت خنزيرًا فأكثرُ من أن تُذكرَ هاهنا، وقد أفرد لها الحافظُ محمَّد بن عبد الواحد المقدسي٣ كتابًا٤.
وتأمَّل حكمتَه تعالى في عذابه الأممَ السَّالفةَ بعذاب الاستئصال لمَّا كانوا أطول أعمارًا، وأعظمَ قُوى، وأعتى على الله وعلى رسله، فلما تقاصرت الأعمارُ وضعُفت القُوى رَفَعَ عذابَ الاستئصال وجَعَل عذابهم بأيدي المؤمنين، فكانت الحكمةُ في كلِّ واحدٍ من الأمرين ما اقتضته في وقته٥.
وتأمَّل حكمتَه ﵎ في إرسال الرُّسل في الأمم واحدًا بعد واحد، كلَّما مات واحدٌ خَلَفه آخر، لحاجتها إلى تتابع الرُّسل والأنبياء؛
(٤) ظاهر كلام المصنف أنه كتابٌ مفردٌ لهذه الأخبار. ولم أقف علاه. ولعلَّه قصد كتابه «النهي عن سبِّ الأصحاب، وما ورد فيه من الذمِّ والعقاب»؛ فإنَّ فيه بعض تلك الأخبار (٣٩، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢)، وهو الذي ذكره ابن تيمية حين حديثه عن المسألة في «منهاج السنة» (١/ ٤٨٥)، و«الصارم المسلول» (٣/ ١١١٢). وانظر: «الاستقامة» (١/ ٣٦٥)، و«الرد على البكري» (٢/ ٦٩٣).
(٥) (ن): «وفي وقته».
لضعفٍ١ في عقولها وعدم اكتفائها بآثار شريعة الرسول السَّابق.
فلما انتهت النَّوبةُ٢ إلى محمَّد بن عبد الله رسول الله ونبيِّه ﷺ، فأرسله إلى أكمل الأمم عقولًا ومعارف، وأصحِّها أذهانًا، وأغزرها علومًا، وبعثَه بأكمل شريعةٍ ظهرت في الأرض منذ قامت الدُّنيا إلى حين مَبْعثه، فأغنى الله الأمَّة بكمال رسولها، وكمال شريعته، وكمال عقولها، وصحَّة أذهانها، عن رسولٍ يأتي بعده، وأقام له من أمَّته ورثةً يحفظون شريعتَه، ووكَّلهم بها حتى يؤدُّوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم؛ فلم يحتاجوا معه إلى رسولٍ آخر ولا نبيٍّ ولا محدَّث.
ولهذا قال ﷺ: «إنه قد كان قبلكم في الأمم محدَّثون٣، فإن يكن في أمَّتي أحدٌ فعُمَر»٤، فجزم بوجود المحدَّثين في الأمم، وعلَّق وجودَه في أمَّته بحرف الشرط؛ وليس هذا بنقصانٍ لأمَّته عمَّن قبلهم، بل هذا من كمال أمَّته على من قبلها، فإنها لكمالها وكمال نبيِّها وكمال شريعته لا تحتاجُ إلى محدَّث، بل إن وُجِدَ فهو صالحٌ للمتابعة والاستشهاد، لا أنه عمدة؛ لأنها في غنيةٍ بما بعثَ الله به نبيَّها عن كلِّ منامٍ أو مكاشفةٍ أو إلهامٍ أو تحديث، وأمَّا من قبلها فلحاجتهم إلى ذلك٥ جُعِل فيهم المحدَّثون٦.
(١) (د، ق، ت): «لضعفها».
(٢) (ن): «النبوة». تحريف.
(٣) أي: مُلْهَمون. فسَّره بهذا عبد الله بن وهب في رواية مسلم.