ولا تظنَّ أنَّ تخصيصَ عمرَ ﵁ بهذا تفضيلٌ له على أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، بل هذا مِنْ أقوى مناقب الصِّدِّيق، فإنه لكمال مَشْرَبه من حوض النُّبوَّة، وتمام رَضاعه من ثَدْي الرسالة، استغنى بذلك عمَّا يتلقَّاه من تحديثٍ أو غيره؛ فالذي يتلقَّاه من مشكاة النُّبوَّة أتمُّ من الذي يتلقَّاه عمرُ من التَّحديث١.
فتأمَّل هذا الموضعَ وأعطه حقَّه من المعرفة، وتأمَّل ما فيه من الحكمة البالغة الشاهدة لله بأنه الحكيمُ الخبير، وأنَّ رسوله ﷺ أكملُ خَلْقِه، وأكملُهم شريعة، وأنَّ أمَّته أكملُ الأمم.
وهذا فصلٌ معترض، وهو من أنفع فصول الكتاب٢، ولولا الإطالةُ لوسَّعنا فيه المقال، وأكثرنا فيه من الشواهد والأمثال، ولقد فتحَ الله الكريمُ فيه الباب، وأرشدَ فيه إلى الصَّواب، وهو المرجوُّ لتمام نعمته، ولا قوَّة إلا به٣.
فصل٤
فأعِد الآنَ النَّظر فيك وفي نفسك مرَّةً ثانية:
من الذي دبَّرك بألطف التَّدبير وأنت جنينٌ في بطن أمِّك، في موضعٍ لا يدَ تنالُك، ولا بصرَ يُدْرِكُك، ولا حيلةَ لك في التماس الغذاء ولا في دفع
فمن الذي أجرى إليك من دم الأمِّ ما يَغْذُوك كما يَغْذو الماءُ النَّباتَ، وقَلَبَ ذلك الدَّمَ لبنًا، ولم يزل يغذِّيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسُّب والطَّلب؟!
حتى إذا كَمُلَ خَلقُك٢ واستحكم، وقَوِي أديمُك على مباشرة الهواء وبصرُك على ملاقاة الضياء، وصَلُبت عظامُك على مباشرة الأيدي والتقلُّب على الغَبراء= هاجَ الطَّلقُ بأمِّك، فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاجٍ إلى عالم الابتلاء، فرَكَضَك الرَّحمُ ركضةَ من كأنه لم يضمَّك قطُّ٣، ولم يَشْتَمِل عليك!
فيا بُعْدَ ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وُضِعْتَ نطفةً وبين هذا الدَّفع والطَّرد والإخراج! وكان مبتهجًا بحَمْلك فصار يستغيثُ ويَعُجُّ إلى ربِّك مِنْ ثِقَلك.
فمن الذي فتحَ لك بابَه حتى وَلجتَ، ثمَّ ضمَّه عليك حتى حُفِظتَ وكمُلت، ثمَّ فتحَ لك ذلك البابَ ووسَّعه حتى خرجتَ منه كلمح البصر، لم يخنُقك٤ ضِيقُه، ولم تحبسك صعوبةُ طريقك فيه؟!
فلو تأمَّلتَ حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهبَ بك
(١) (ح، ن): «الضرر عنك».
(٢) (ن): «سوى خلقك».
(٣) (ح، ن): «ركضة في مكان (ن: مكانه) كأنه لم يضمك قط».