فمن الذي أجرى إليك من دم الأمِّ ما يَغْذُوك كما يَغْذو الماءُ النَّباتَ، وقَلَبَ ذلك الدَّمَ لبنًا، ولم يزل يغذِّيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسُّب والطَّلب؟!
حتى إذا كَمُلَ خَلقُك٢ واستحكم، وقَوِي أديمُك على مباشرة الهواء وبصرُك على ملاقاة الضياء، وصَلُبت عظامُك على مباشرة الأيدي والتقلُّب على الغَبراء= هاجَ الطَّلقُ بأمِّك، فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاجٍ إلى عالم الابتلاء، فرَكَضَك الرَّحمُ ركضةَ من كأنه لم يضمَّك قطُّ٣، ولم يَشْتَمِل عليك!
فيا بُعْدَ ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وُضِعْتَ نطفةً وبين هذا الدَّفع والطَّرد والإخراج! وكان مبتهجًا بحَمْلك فصار يستغيثُ ويَعُجُّ إلى ربِّك مِنْ ثِقَلك.
فمن الذي فتحَ لك بابَه حتى وَلجتَ، ثمَّ ضمَّه عليك حتى حُفِظتَ وكمُلت، ثمَّ فتحَ لك ذلك البابَ ووسَّعه حتى خرجتَ منه كلمح البصر، لم يخنُقك٤ ضِيقُه، ولم تحبسك صعوبةُ طريقك فيه؟!
فلو تأمَّلتَ حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهبَ بك
(١) (ح، ن): «الضرر عنك».
(٢) (ن): «سوى خلقك».
(٣) (ح، ن): «ركضة في مكان (ن: مكانه) كأنه لم يضمك قط».
(٤) (ن): «يخفيك». (ح): «يحفيك».
العجبُ كلَّ مذهب؛ فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفةٌ حتى لا تفسُد هناك، ثمَّ أوحى إليه أن يتَّسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا؟!
إلى أن خرجتَ فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قِشْرة ولا لباسَ ولا متاع ولا مال، أحوجَ خلق الله وأضعفَهم وأفقرَهم.
فصُرِف ذلك اللبنُ الذي كنت تتغذَّى به في بطن أمِّك إلى خزانتين معلَّقتين على صدرها، تحملُ غذاءك على صدرها كما حملتْك في بطنها، ثمَّ ساقه إلى تلك الخزانتين ألطفَ سَوْقٍ في مَجارٍ١ وطرقٍ قد تهيَّأت له، فلا يزالُ واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانتين٢ فيجري وينساقُ إليك، فهو بئرٌ لا تنقطعُ مادَّتُها، ولا تنسدُّ طرقُها، يسوقُها إليك في طرقٍ لا يهتدي إليها الطَّوَّاف٣، ولا يسلكُها الرَّجَّال٤.
فمن رقَّقه لك وصفَّاه، وأطابَ طعمَه، وحسَّن لونَه، وأحكمَ طبخَه أعدَل إحكام؛ لا بالحارِّ المؤذي، ولا بالبارد المُردي٥، ولا المُرِّ ولا المالح، ولا الكريه الرائحة، بل قَلَبَه إلى ضربٍ آخرَ من التَّغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشدِّ أوقات الحاجة إليه، على حين ظمأٍ شديدٍ وجوعٍ مُفْرِط، جمعَ لك فيه بين الشراب والغذاء؟!
(١) (ح، ن): «على مجار».
(٢) (د، ت، ن): «الخزانة».
(٣) وهو العسَس، الذي يطوف بالليل يحرس الناس. أو هو كثير التطواف مطلقًا.
(٤) لعله مبالغةٌ من الراجل، الماشي على رجليه، خلاف الفارس. ويمكن أن تقرأ: الرحَّال، بالحاء المهملة، كثير الترحال.