مفتاح دار السعادة

العجبُ كلَّ مذهب؛ فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفةٌ حتى لا تفسُد هناك، ثمَّ أوحى إليه أن يتَّسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا؟!

إلى أن خرجتَ فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قِشْرة ولا لباسَ ولا متاع ولا مال، أحوجَ خلق الله وأضعفَهم وأفقرَهم.

فصُرِف ذلك اللبنُ الذي كنت تتغذَّى به في بطن أمِّك إلى خزانتين معلَّقتين على صدرها، تحملُ غذاءك على صدرها كما حملتْك في بطنها، ثمَّ ساقه إلى تلك الخزانتين ألطفَ سَوْقٍ في مَجارٍ١ وطرقٍ قد تهيَّأت له، فلا يزالُ واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانتين٢ فيجري وينساقُ إليك، فهو بئرٌ لا تنقطعُ مادَّتُها، ولا تنسدُّ طرقُها، يسوقُها إليك في طرقٍ لا يهتدي إليها الطَّوَّاف٣، ولا يسلكُها الرَّجَّال٤.

فمن رقَّقه لك وصفَّاه، وأطابَ طعمَه، وحسَّن لونَه، وأحكمَ طبخَه أعدَل إحكام؛ لا بالحارِّ المؤذي، ولا بالبارد المُردي٥، ولا المُرِّ ولا المالح، ولا الكريه الرائحة، بل قَلَبَه إلى ضربٍ آخرَ من التَّغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشدِّ أوقات الحاجة إليه، على حين ظمأٍ شديدٍ وجوعٍ مُفْرِط، جمعَ لك فيه بين الشراب والغذاء؟!

  1. (١) (ح، ن): «على مجار».
  2. (٢) (د، ت، ن): «الخزانة».
  3. (٣) وهو العسَس، الذي يطوف بالليل يحرس الناس. أو هو كثير التطواف مطلقًا.
  4. (٤) لعله مبالغةٌ من الراجل، الماشي على رجليه، خلاف الفارس. ويمكن أن تقرأ: الرحَّال، بالحاء المهملة، كثير الترحال.
  5. (٥) (ت، ق): «المودي». (ح، ن): «الردي».
729

فحين تُولَدُ قد تَلمَّظتَ وحرَّكتَ شفتيك للرَّضاع، فتجدُ الثَّديَ المعلَّق كالإداوة قد تدلى إليك، وأقبل بدَرِّه عليك، ثمَّ جعل في رأسه تلك الحَلَمة التي هي بمقدار صِغَر فمك فلا يضيقُ عنها ولا يتعب١ بالتقامها، ثمَّ ثقبَ لك في رأسها ثقبًا لطيفًا٢ بحسب احتمالك، ولم يوسِّعه فتختنقَ باللبن، ولم يضيِّقه فتمصَّه بكُلفة، بل جعله بقَدْرٍ اقتضته حكمتُه ومصلحتُك.

فمن عطفَ عليك قلبَ الأمِّ ووضعَ فيه الحنانَ العجيبَ والرحمةَ الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكونُ من شأنها وراحتها ومَقِيلها، فإذا أحسَّت منك بأدنى صوتٍ أو بكاءٍ قامت إليك وآثرتْكَ على نفسها، على مدى الأنفاس، منقادةً إليك بغير قائدٍ ولا سائقٍ إلا قائدَ الرحمة وسائقَ الحنان، تودُّ لو أنَّ كلَّ ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرُقكَ منه شيء، وأنَّ حياتها تزادُ في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟!

حتى إذا قَوِيَ بدنُك، واتسعت أمعاؤك، وخشُنت عظامُك، واحتجتَ إلى غذاءٍ أصلبَ من غذائك؛ ليشتدَّ به عظمُك، ويقوى عليه لحمُك= وضعَ في فِيك آلةَ القطع والطَّحن، فنَصَبَ لك أسنانًا تقطعُ بها الطَّعام وطواحينَ تطحنُه بها.

فمن الذي حبسها عنك أيامَ رضاعك رحمةً بأمِّك ولطفًا بها، ثمَّ أعطاكها أيام أكلِك رحمةً بك وإحسانًا إليك ولطفًا بك؟! فلو أنك خرجتَ من البطن ذا سِنٍّ ونابٍ وناجذٍ وضِرس، كيف كان حالُ أمِّك بك؟! ولو أنك مُنِعتَها وقتَ الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة التي لا تُسِيغُها إلا

  1. (١) (ح): «يضعف».
  2. (٢) (ح، ن): «ثم نقب ... نقبا لطيفا».
730

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي