مفتاح دار السعادة

فحين تُولَدُ قد تَلمَّظتَ وحرَّكتَ شفتيك للرَّضاع، فتجدُ الثَّديَ المعلَّق كالإداوة قد تدلى إليك، وأقبل بدَرِّه عليك، ثمَّ جعل في رأسه تلك الحَلَمة التي هي بمقدار صِغَر فمك فلا يضيقُ عنها ولا يتعب١ بالتقامها، ثمَّ ثقبَ لك في رأسها ثقبًا لطيفًا٢ بحسب احتمالك، ولم يوسِّعه فتختنقَ باللبن، ولم يضيِّقه فتمصَّه بكُلفة، بل جعله بقَدْرٍ اقتضته حكمتُه ومصلحتُك.

فمن عطفَ عليك قلبَ الأمِّ ووضعَ فيه الحنانَ العجيبَ والرحمةَ الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكونُ من شأنها وراحتها ومَقِيلها، فإذا أحسَّت منك بأدنى صوتٍ أو بكاءٍ قامت إليك وآثرتْكَ على نفسها، على مدى الأنفاس، منقادةً إليك بغير قائدٍ ولا سائقٍ إلا قائدَ الرحمة وسائقَ الحنان، تودُّ لو أنَّ كلَّ ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرُقكَ منه شيء، وأنَّ حياتها تزادُ في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟!

حتى إذا قَوِيَ بدنُك، واتسعت أمعاؤك، وخشُنت عظامُك، واحتجتَ إلى غذاءٍ أصلبَ من غذائك؛ ليشتدَّ به عظمُك، ويقوى عليه لحمُك= وضعَ في فِيك آلةَ القطع والطَّحن، فنَصَبَ لك أسنانًا تقطعُ بها الطَّعام وطواحينَ تطحنُه بها.

فمن الذي حبسها عنك أيامَ رضاعك رحمةً بأمِّك ولطفًا بها، ثمَّ أعطاكها أيام أكلِك رحمةً بك وإحسانًا إليك ولطفًا بك؟! فلو أنك خرجتَ من البطن ذا سِنٍّ ونابٍ وناجذٍ وضِرس، كيف كان حالُ أمِّك بك؟! ولو أنك مُنِعتَها وقتَ الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة التي لا تُسِيغُها إلا

  1. (١) (ح): «يضعف».
  2. (٢) (ح، ن): «ثم نقب ... نقبا لطيفا».
730

بعد تقطيعها وطحنها؟!

وكلَّما ازددتَ قوَّةً وحاجةً إلى الافتنان١ في أكل المطاعم المختلفة زِيدَ لك في تلك الآلات٢، حتى تنتهي إلى النَّواجذ فتطيقَ نهشَ اللحم وقطعَ الخبز وكسرَ الصُّلب، ثمَّ إذا ازددتَ قوَّةً زِيدَ لك فيها حتى تنتهي إلى الطَّواحين٣ التي هي آخرُ الأضراس؛ فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدَك بها ومكَّنك٤ بها من ضروب الغذاء؟!

ثمَّ إنه اقتضت حكمتُه أن أخرجك من بطن أمِّك لا تعلمُ شيئًا، بل غبيًّا لا عقلَ ولا فهمَ ولا عِلم، وذلك مِنْ رحمته بك؛ فإنك على ضعفك لا تحتملُ العقلَ والفهمَ والمعرفة، بل كنت تتمزَّقُ وتتصدَّع، بل جَعَل ذلك ينشأُ فيك٥ بالتَّدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفُك ذلك وَهلةً واحدة، بل يصادفُك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك.

واعتَبِر ذلك بأنَّ الطفل إذا سُبِيَ صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقلَ له فإنه لا يؤلمُه ذلك٦، وكلَّما كان أقربَ إلى العقل كان أشقَّ عليه وأصعب، حتى إذا كان محتنِكًا٧ عاقلًا فلا تراه إلا كالوالِه الحيران.

  1. (١) مهملة في (د). (ح، ت، ن): «الأسنان».
  2. (٢) (ت، ق، د): «الآلة».
  3. (٣) (ق): «زيد لك الطواحين».
  4. (٤) (ق، د، ت): «ومكن لك».
  5. (٥) (ح، ن): «ينتقل فيك».
  6. (٦) (ت): «يهيله ذلك». وكذا رسمها في (د، ق) دون إعجام.
  7. (٧) المحتنك: الذي تمَّ عقله وسنُّه. وليست في (ح، ن).
731

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي