وكلَّما ازددتَ قوَّةً وحاجةً إلى الافتنان١ في أكل المطاعم المختلفة زِيدَ لك في تلك الآلات٢، حتى تنتهي إلى النَّواجذ فتطيقَ نهشَ اللحم وقطعَ الخبز وكسرَ الصُّلب، ثمَّ إذا ازددتَ قوَّةً زِيدَ لك فيها حتى تنتهي إلى الطَّواحين٣ التي هي آخرُ الأضراس؛ فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدَك بها ومكَّنك٤ بها من ضروب الغذاء؟!
ثمَّ إنه اقتضت حكمتُه أن أخرجك من بطن أمِّك لا تعلمُ شيئًا، بل غبيًّا لا عقلَ ولا فهمَ ولا عِلم، وذلك مِنْ رحمته بك؛ فإنك على ضعفك لا تحتملُ العقلَ والفهمَ والمعرفة، بل كنت تتمزَّقُ وتتصدَّع، بل جَعَل ذلك ينشأُ فيك٥ بالتَّدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفُك ذلك وَهلةً واحدة، بل يصادفُك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك.
واعتَبِر ذلك بأنَّ الطفل إذا سُبِيَ صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقلَ له فإنه لا يؤلمُه ذلك٦، وكلَّما كان أقربَ إلى العقل كان أشقَّ عليه وأصعب، حتى إذا كان محتنِكًا٧ عاقلًا فلا تراه إلا كالوالِه الحيران.
(١) مهملة في (د). (ح، ت، ن): «الأسنان».
(٢) (ت، ق، د): «الآلة».
(٣) (ق): «زيد لك الطواحين».
(٤) (ق، د، ت): «ومكن لك».
(٥) (ح، ن): «ينتقل فيك».
(٦) (ت): «يهيله ذلك». وكذا رسمها في (د، ق) دون إعجام.
(٧) المحتنك: الذي تمَّ عقله وسنُّه. وليست في (ح، ن).
ثمَّ لو وُلِدتَ عاقلًا فَهِمًا كحالك في كِبَرك لتنغَّصت عليك حياتُك أعظمَ تنغيص، وتنكَّدت أعظمَ تنكيد؛ لأنك ترى نفسك محمولًا رضيعًا، معصَّبًا بالخِرَق، مربَّطًا بالقُمُط١، مسجونًا٢ في المهد، عاجزًا ضعيفًا عمَّا يحاولُه الكبير، فكيف كان يكون عيشُك مع تعقُّلك التَّامِّ في هذه الحالة؟!
ثمَّ لم يكن يوجدُ لك من الحلاوة واللَّطافة والوَقْع في القلب والرحمة بك ما يوجدُ للمولود الطفل، بل تكونُ أنكدَ خلق الله وأثقلَهم وأعنتَهم وأكثرهم فضولًا.
وكان دخولُك هذا العالم وأنت غبيٌّ٣ لا تعقلُ شيئًا ولا تعلمُ ما فيه أهلُه محض الحكمة والرحمة بك والتَّدبير، فتلقى الأشياءَ بذهنٍ ضعيفٍ ومعرفةٍ ناقصة، ثمَّ لا يزالُ يتزايدُ فيك العقلُ والمعرفةُ شيئًا فشيئًا حتى تَأْلفَ الأشياءَ وتَمْرُنَ عليها، وتخرجَ من التأمُّل لها والحيرة فيها، وتستقبلها بحُسْن التصرُّف فيها والتَّدبير لها والإتقان لها.
وفي ذلك وجوهٌ أُخرُ من الحكمة غيرُ ما ذكرناه٤.
فمَن هذا الذي هو قيِّمٌ عليك بالمرصاد، يرصدُك٥ حتى يُوافيك بكلِّ شيءٍ من المنافع والآراب والآلات في وقت حاجتك، لا يقدِّمها عن وقتها
(١) جمعُ «قِماط»، وهي خرقةٌ عريضةٌ يُلَفُّ بها المولود. «اللسان» (قمط). أو هو الحبل الذي يُشَدُّ به الصبيُّ في المهد.