مفتاح دار السعادة

ولا يؤخِّرها عنه؟!

ثمَّ إنه أعطاك الأظفارَ وقتَ حاجتك إليها لمنافع شتى؛ فإنها تُعِينُ الأصابعَ وتقوِّيها، فإنَّ أكثر العمل لما كان برؤوس الأصابع، وعليها الاعتماد، أُعِينَت بالأظفار قوَّةً لها، مع ما فيها من منفعة حَكِّ الجسم وقَشْط الأذى الذي لا يخرجُ باللحم عنه، إلى غير ذلك من فوائدها١.

ثمَّ جمَّلك بالشَّعر على الرَّأس زينةً ووقايةً وصيانةً من الحرِّ والبرد؛ إذ هو مجمَعُ الحواسِّ ومعدِنُ الفِكر والذِّكر وثمرةُ العقل تنتهي إليه٢.

ثمَّ خَصَّ الذَّكر بأن جمَّل وجهَه باللِّحية وتوابعها؛ وقارًا وهيبةً وجمالًا، وفصلًا له عن سِنِّ الصِّبا٣، وفرقًا بينه وبين الإناث، وبقَّى الأنثى على حالها لما خُلِقَت له من استمتاع الذَّكر بها، فبقَّى وجهَها على حاله ونضارته ليكون أهيجَ للرجُل٤ على الشَّهوة وأكمل للذَّة الاستمتاع.

فالماءُ واحد، والجوهرُ واحد، والوعاءُ واحد، واللِّقاحُ واحد، فمن الذي أعطى الذَّكر الذُّكورية والأنثى الأنوثية؟!

ولا تلتفِت إلى ما يقوله الجهلةُ من الطَّبائعيِّين في سبب الإذكار والإيناث، وإحالةِ ذلك على الأمور الطَّبيعية التي لا تكادُ تصدُق في هذا الموضع إلا اتفاقًا، وكذبُها أكثر من صدقها.

  1. (١) انظر ما مضى (ص: ٥٤٩، ٥٥٩).
  2. (٢) (ت): «تنتهي». (د): «ينتهي إليه». (ق): «وينتهي إليه».
  3. (٣) (ق، ن): «سن الصبي».
  4. (٤) (ح، ن): «أبهج للرجل».
733

وليس استنادُ الإذكار والإيناث إلا إلى محض المرسوم الإلهيِّ١ الذي يلقيه إلى ملَك التَّصوير حين يقول: يا ربِّ ذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ فما الرِّزق؟ فما الأجل؟ فيوحي ربُّك ما يشاء، ويكتبُ الملَك؛ فإذا كان للطَّبيعة تأثيرٌ في الإذكار والإيناث فلها تأثيرٌ في الرِّزق والأجل والشَّقاوة والسَّعادة، وإلا فلا؛ إذ مخرجُ الجميع ما يوحيه الله إلى الملَك.

ونحن لا ننكرُ أنَّ لذلك أسبابًا أُخَر، ولكنَّ تلك من الأسباب التي استأثر الله بها دون البشر، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].

فذَكَر أصنافَ النساء الأربعة مع الرجال:

إحداها: من تلدُ الإناثَ فقط.

الثانية: من تلدُ الذُّكورَ فقط.

الثالثة: من تلدُ الزَّوجين الذَّكر والأنثى. وهو معنى التَّزويج هنا، أي: يجعلُ ما يهبُ له زوجين ذكرًا وأنثى٢.

الرابعة: العقيمُ التي لا تلدُ أصلًا.

ومما يدلُّ على أنَّ سببَ الإذكار والإيناث لا يعلمُه البشر، ولا يُدْرَكُ بالقياس والفكر، وإنما يُعْلَمُ بالوحي، ما روى مسلمٌ في «صحيحه»٣ من

  1. (١) (ت): «إلا إلى الأمر الإلهي».
  2. (٢) من قوله: «وهو معنى التزويج ...» إلى هنا ليس في (ت).
  3. (٣) (٣١٥)، وابن خزيمة (٢٣٢)، وابن حبان (٧٤٢٢).
734

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي