مفتاح دار السعادة

والذي دلَّ عليه العقلُ والنقلُ١ أنَّ الجنينَ يُخلقُ من الماءين جميعًا، فالذَّكر يقذفُ ماءه في رَحِم الأنثى، وكذلك هي تُنزلُ ماءها٢ إلى حيث ينتهي ماؤه، فيلتقي الماآن على أمرٍ قد قدَّره الله وشاءه، فيُخلقُ الولدُ منهما٣ جميعًا، وأيهما غَلَبَ كان الشَّبهُ له؛ كما في «صحيح البخاري»٤ عن حميد، عن أنسٍ قال: بلغَ عبد الله بن سلام مَقْدَمُ النبيِّ ﷺ، فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ. قال: ما أوَّلُ أشراط السَّاعة؟ وما أوَّلُ طعامٍ يأكله أهلُ الجنَّة؟ ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ الولدُ إلى أبيه؟ ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ إلى أخواله؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «أخبرني بهنَّ آنفًا جبريل». فقال عبد الله: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة. فقال رسول الله ﷺ: «أمَّا أوَّلُ أشراط السَّاعة فنارٌ تحشرُ النَّاسَ من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أوَّلُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنَّة فزيادةُ كبدِ حُوتٍ، وأمَّا الشَّبه في الولد فإنَّ الرَّجل إذا غَشِي المرأة فسبقَها ماؤه كان الشَّبهُ له، وإذا سبقت كان الشَّبهُ لها»، فقال: أشهدُ أنك رسولُ الله. وذَكَر الحديث.

وفي «الصحيحين»٥ عن أم سلمة [أنَّ أمَّ سُلَيم]٦ قالت: يا رسول الله! إنَّ الله لا يستحي من الحقِّ؛ هل على المرأة مِنْ غُسلٍ إذا هي احتلمَت؟

  1. (١) «والنقل» ليست في (ن).
  2. (٢) (د، ق): «ينزل ماؤها». (ت): «ماؤها ينزل».
  3. (٣) (ح، ن): «بينهما». تحريف.
  4. (٤) (٣٣٢٩).
  5. (٥) «صحيح البخاري» (١٣٠)، و«صحيح مسلم» (٣١٣).
  6. (٦) زيادة ضرورية من «الصحيحين»، وليست في الأصول.
736

قال: «نعم، إذا رأت الماء»١، فضحكت أمُّ سلمة، فقالت: أو تحتلمُ المرأة؟! فقال رسول الله ﷺ: «فبِمَ يُشْبِهُ الولد؟!».

فهذه الأحاديثُ الثَّلاثة تدلُّ على أنَّ الولدَ يُخلقُ من الماءين، وأنَّ الإذكارَ والإيناثَ يكونُ بغلبة أحد الماءين وقَهْرِه للآخر وعلوِّه عليه، وأنَّ الشَّبه يكون بالسَّبق، فمن سبقَ ماؤه إلى الرَّحم كان الشَّبهُ له.

وهذه أمورٌ ليس عند أهل الطَّبيعة ما يدلُّ عليها، ولا يعلمُه إلا بالوحي٢، وليس في صناعتهم أيضًا ما ينفيها.

على أنَّ في النَّفس من حديث ثوبان ما فيها، وأنه يُخافُ أن لا يكون أحدُ رواته حَفِظه كما ينبغي، وأن يكون السُّؤالُ إنما وقعَ فيه عن الشَّبه لا عن الإذكار والإيناث، كما سأل عنه عبد الله بن سلام، ولذلك لم يخرجه البخاري٣.

وفي «الصحيحين»٤ من حديث عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن

  1. (١) (ح، ن): «الماء الأصفر». وليست هذه الرواية في الصحيحين، وأخرجها الطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٩٧).
  2. (٢) كذا في الأصول. أي: ولا يَعْلم النبيُّ ﷺ هذه الأمور إلا بالوحي. وفي (ط): «ولا تُعْلَمُ إلا بالوحي».
  3. (٣) وقال ابن تيمية عن الإذكار والإيناث في الحديث: «في صحَّة هذا اللفظ نظر». نقله عنه المصنف في «الطرق الحكمية» (٥٨٤)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٢٦٩). وانظر: «أيمان القرآن» (٥١١)، و«تحفة المودود» (٢٢١)، و«التمهيد» (٨/ ٣٣٥)، و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٥٠).
  4. (٤) «صحيح البخاري» (٣١٨)، و«صحيح مسلم» (٢٦٤٦).
737

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي