مفتاح دار السعادة

الرَّحِم، بمنزلة من يناولُ غيرَه شيئًا فهو يَمُدُّ يدَه١ إليه حتى يُوصِله إياه، ولأنه يحتاجُ إلى أن يقذفَ ماءه في قَعْر الرَّحِم.

وأمَّا الأنثى فجُعِل لها وعاءٌ مجوَّف؛ لأنها تحتاجُ إلى أن تقبل ماءَ الرجل وتمسكه وتشتمل عليه؛ فأُعطِيَت آلةً تليقُ بها.

ثمَّ لما كان ماءُ الرجل ينحدرُ من أجزاء الجسد رقيقًا ضعيفًا لا يُخلقُ منه الولد، جُعِل له الأُنثَيان وعاءً يُطبخُ فيهما، ويُحْكَمُ إنضاجُه؛ فيشتدُّ٢ وينعقدُ ويصيرُ قابلًا لأن يكون مبدأً للتَّخليق، ولم تحتَجْ المرأةُ إلى ذلك؛ لأنَّ رقَّة مائها ولطافتَه إذا مازجَ غِلَظ ماء الرجل وشدَّتَه قَوِيَ به واستحكم، ولو كان الماآن رقيقَيْن ضعيفَيْن لم يتكوَّن الولدُ منهما.

وخُصَّ الرجلُ بآلة النُّضج والطَّبخ لحِكَم:

منها: أنَّ حرارته أقوى، والأنثى باردة، فلو أُعطِيَت تلك الآلةَ لم يَسْتَحْكِم طبخُ الماء وإنضاجُه فيها.

ومنها: أنَّ ماءها لا يخرجُ عن محلِّه، بل ينزلُ من بين ترائبها إلى محلِّه، بخلاف ماء الرجل، فلو أُعطِيَت المرأةُ تلك الآلة لكانت تحتاجُ إلى آلةٍ أخرى يوصَلُ بها الماءُ إلى محلِّه.

ومنها: أنها لمَّا كانت محلًّا للجماع أُعطِيَت من الآلة ما يليقُ بها، فلو أُعطِيَت آلةَ الرجل لم تحصُل لها اللذَّةُ والاستمتاع بها٣، ولكانت تلك

  1. (١) (ق، ن): «يديه». (د): «بدنه».
  2. (٢) (ح، ن): «ليشتد».
  3. (٣) «بها» ليست في (ن، ح).
739

الآلةُ معطَّلةً بغير منفعة، فالحكمةُ التَّامَّةُ فيما وُجِدَت خلقةُ كلٍّ منهما عليه.

فصل١

فارجِع الآن إلى نفسك، وكرِّر النَّظر فيك، فهو يكفيك٢.

وتأمَّل أعضاءك وتقديرَ كلِّ عضوٍ منها للأرب والمنفعة المهيَّأ لها:

فاليدان للعلاج والبطش، والأخذ والإعطاء، والمحاربة والدَّفع.

والرِّجلان لحمل البدن٣، والسَّعي والرُّكوب، وانتصاب القامة.

والعينان للاهتداء، والجمال، والزِّينة، والملاحة، ورؤية ما في السَّموات والأرض وآياتهما وعجائبهما.

والفمُ للغذاء، والكلام، والجمال، وغير ذلك.

والأنفُ للنفَس، ولإخراج فضلات الدِّماغ، وزينةٌ للوجه.

واللسانُ للبيان والتَّرجمة عنك.

والأذنان صاحبا الأخبار يؤدِّيانها إليك.

فاللسانُ رسولٌ إلى خارج، والأذنان رسولان من خارجٍ إليك؛ فهما يؤدِّيان إليك٤، واللسانُ يبلِّغُ عنك.

والمعدةُ خزانةٌ يستقرُّ فيها الغذاء، فتطبخُه وتنضجُه، وتصلحُه إصلاحًا آخرَ وطبخًا آخرَ غيرَ الإصلاح والطَّبخ الذي تولَّيتَه مِنْ خارج، فأنت تُعاني

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٤٦)، «توحيد المفضل» (١٨ - ٢٠).
  2. (٢) (ت): «ويكفيك». (ن): «وكرر النظر فيك يكفيك».
  3. (٣) (ح): «لحملان البدن». (ن): «يحتملان البدن».
  4. (٤) من قوله: «فاللسان رسول ...» إلى هنا ساقط من (ح، ن).
740

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي