مفتاح دار السعادة

بمثل هذا إلا دخولٌ في سِلْك المجانين والمُبَرسَمين١.

ثمَّ قل لها بعدُ: ولو ثبت لكِ ما ادَّعيت فمعلومٌ أنَّ مثل هذه الصِّفة ليست بخالقةٍ لنفسها ولا مبدعةٍ لذاتها، فمن ربُّها ومبدعُها وخالقُها؟! ومن طبَّعها وجعلها تفعلُ ذلك؟!

فهي إذن مِنْ أدلِّ الدَّلائل٢ على بارئها وفاطرها، وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلُك ربَّ العالم وجحدُك لصفاته وأفعاله إلا مخالفتك لموجَب العقل والفطرة٣.

ولو حاكمناك إلى الطَّبيعة لأريناك أنك خارجٌ عن مُوجَبها، فلا أنت مع مُوجَب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانيَّة أصلًا، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا.

فإن رجعتَ إلى العقل، وقلتَ: لا يوجدُ حكمةٌ إلا من حكيمٍ قادرٍ عليم، ولا تدبيرٌ متقنٌ محكَمٌ إلا من صانعٍ قادرٍ مختارٍ مدبِّر، عليمٍ بما يريد٤، قادرٍ عليه، لا يُعْجِزُه ولا يَصْعُبُ عليه ولا يؤودُه.

قيل لك: فقد أقررتَ ــ ويحكَ ــ بالخلَّاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه، فدَع تسميتَه طبيعةً أو عقلًا فعَّالًا أو مُوجِبًا بذاته، وقل: هذا هو الله

  1. (١) البِرْسام (بكسر الباء وفتحها): علَّة يهذى فيها. فارسية معرَّبة. انظر: «المعرب» للجواليقي (٩٣)، و«قصد السبيل» (١/ ٢٧٠).
  2. (٢) (ق، د، ت): «من أدل الدليل».
  3. (٣) (ح، ن): «مخالفتك العقل والفطرة».
  4. (٤) (ت): «يدبره». (ن): «يدبر».
744

الخالقُ الباراءُ المصوِّرُ ربُّ العالمين، وقيُّومُ السَّموات والأرضين وربُّ المشارق والمغارب الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقه، وأتقنَ ما صنع.

فما لك جحدتَ أسماءَه وصفاته، بل وذاتَه، وأضفتَ صُنْعَه إلى غيره وخلقَه إلى سواه، مع أنك مضطرٌّ إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والرُّبوبيَّة والتَّدبير إليه ولا بُدَّ؟! فالحمدُ لله ربِّ العالمين.

على أنك لو تأمَّلتَ قولك: «طبيعة» ومعنى هذه اللفظة، لدلَّك على الخالق الباراء لفظُها كما دَلَّ العقولَ عليه معناها١؛ لأنَّ «طبيعة» فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي: مطبوعة، ولا يحتَملُ غيرُ هذا٢ البتَّة؛ لأنها على بناء الغرائز التي رُكِّبت في الجسم ووُضِعَت فيه، كالسَّجِيَّة والغريزة والنَّحِيزة٣ والسَّليقة والطَّبيعة؛ فهي التي طُبِع عليها الحيوانُ وطُبِعَت فيه.

ومعلومٌ أنَّ طبيعةً مِنْ غير طابعٍ لها محال؛ فقد دلَّ لفظُ الطَّبيعة على الباري تعالى كما دلَّ معناها عليه.

والمسلمون يقولون: إنَّ الطَّبيعة خلقٌ مِنْ خَلْق الله مسخَّرٌ مربوب، وهي سنَّته في خليقته التي أجراها عليها، ثمَّ إنه يتصرَّفُ فيها كيف شاء وكما شاء، فيسلُبها تأثيرَها إذا أراد، ويقلبُ تأثيرَها إلى ضدِّه إذا شاء؛ ليُرِيَ عبادَه أنه

  1. (١) هذا الموضع غير محرَّر في الأصول كما ينبغي. (د): «المعقول عليه لمعناها». (ق، ت): «العقول عليه لمعناها». (ح، ن): «ومعنى هذه اللفظة على الخالق الباراء ولفظها كما دل المعقول عليه لمعناها»، إلا أن في (ن): «... كما دل المعقول عليه هذه اللفظة لمعناها».
  2. (٢) (ت): «ذلك». (ن، ح): «هذه».
  3. (٣) تحرَّفت في الأصول إلى: «والبحيرة»، وأهملت في (د).
745

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي