وأعجبُ من هذا كلِّه تصويرُه في الرَّحِم حيثُ لا تراه العيون، ولا تلمسُه الأيدي، ولا تصلُ إليه الآلات؛ فيخرجُ بشرًا سويًّا مستوفيًا٢ لكلِّ ما فيه مصلحتُه وقِوَامُه مِنْ عضوٍ وحاسَّةٍ وآلةٍ من الأحشاء، والجوارح، والحوامل، والأعصاب، والرِّباطات، والأغشية، والعظام المختلفة الشَّكل والقَدْر والمنفعة والموضع، إلى غير ذلك من اللحم والشَّحم والمخِّ، وما في ذلك من دقيق التَّركيب، ولطيف الخِلْقة، وخفيِّ الحكمة، وبديع الصَّنعة.
كلُّ هذا صنعُ الله أحسن الخالقين، في قطرةٍ من ماءٍ مهين.
وما كرَّر عليك في كتابه مبدأ خَلْقِك وإعادته٣، ودعاك إلى التفكُّر فيه، إلا لما لك من العبرة والمعرفة.
فلا تَسْتَطِل هذا الفصلَ وما فيه من نوع تكرارٍ يشتملُ على مزيد فائدة؛ فإنَّ الحاجة إليه ماسَّة، والمنفعة به عظيمة.
فانظُر إلى بعض ما خصَّك به وفضَّلك به على البهائم المهملة، إذ خلقَك على هيئةٍ تنتصبُ قائمًا، وتستوي جالسًا، وتستقبلُ الأشياء ببدنك، وتُقبِلُ عليها بجملتك، فيمكنُك العملُ والصَّلاحُ والتَّدبير٤، ولو كنت كذوات الأربع المكبوبة على وجهها لم يَظهر لك فضيلةُ التَّمييز
(١) (ر): «لا يتزيد ولا يتنقص». (ق): «لا تتزايل ولا تتفكك ولا تنتقص».
(٢) (ن): «مستويا».
(٣) (ت): «وأعاده». وهي قراءة محتملة.
(٤) «والتدبير» ليست في (ق).
والاختصاص، ولم يتهيَّأ منك ما تهيَّأ من هذه النِّصبة١.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[الإسراء: ٧٠]؛ فسبحان من ألبَس خِلَع الكرامة كلَّها لبني آدم؛ من العقل، والعلم، والبيان، والنُّطق، والشَّكل، والصُّورة الحسنة، والهيئة الشريفة، والقدِّ المعتدل، واكتساب العلوم بالاستدلال والفِكْر، واقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البرِّ والطَّاعة٢ والانقياد؛ فكم بين حاله وهو نطفةٌ داخلٌ إلى الرَّحِم، مستَودَعٌ هناك، وبين حاله والمَلَكُ يدخلُ عليه في جنَّات عَدْن٣؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين.
فالدُّنيا قرية، والمؤمنُ رئيسُها٤، والكلُّ مشغولٌ به ساعٍ في مصالحه تسخُّرًا وتذليلًا، وهو مشغولٌ بربِّه وخالقه٥، والكلُّ قد أُقِيم في خدمته وحوائجه؛ فالملائكةُ الذين هم حملةُ عرش الرحمن ومَنْ حوله يستغفرون له، والملائكةُ الموكَّلون به يحفظونه، والموكَّلون بالقَطر والنَّبات يسعَون في
(١) وهي «هيئة المتمكن في المكان، كقيامه فيه أو قعوده أو بروكه أو اضطجاعه وما أشبه ذلك». «التقريب لحد المنطق» لابن حزم (٤/ ١٧٠ - رسائله). وتحرفت في الأصول، (ق): «المنصة». (ح): «النسبية». (ت، د): «المنصبة». (ن): «النسبة».
(٢) (ق، ت): «بالبر والطاعة».
(٣) (ت، د، ق): «والملك يدخل به على ربه في جنات عدن». والمثبت أحسن؛ وهو إشارةٌ إلى آية الرعد: ٢٣.