الأقطار والجهات حتى قلَّب حواسَّه الخمسَ في جهاته السِّتِّ وضربها فيها١ لشدَّة فكره.
فصل٢
ثمَّ أُعِينَت هذه الحواسُّ بمخلوقاتٍ أُخَر منفصلةٍ عنها تكونُ واسطةً في إحساسها٣؛ فأُعِينَت حاسَّةُ البصر بالضياء والشُّعاع، فلولاه لم ينتفع النَّاظرُ ببصره، فلو مُنِعَ الضياءَ والشُّعاع لم تنفع٤ العينُ شيئًا.
وأُعِينَت حاسَّةُ السَّمع بالهواء يحملُ الأصواتَ في الجوِّ، ثمَّ يلقيه إلى الأذن فتحويه ثمَّ تلقيه إلى القوَّة السَّامعة، ولولا الهواءُ لم يسمع الرَّجلُ شيئًا.
وأُعِينَت حاسَّةُ الشمِّ بالنَّسيم اللطيف يحملُ الرائحة، ثمَّ يؤدِّيها إليها، فيدركُها، فلولا هو لم يشمَّ شيئًا.
وأُعِينَت حاسَّةُ الذَّوق بالرِّيق المتحلِّل في الفم، تُدْرِكُ القوَّةُ الذَّائقةُ به طُعومَ الأشياء، ولهذا لم يكن له طعمٌ لا حلوٌ ولا حامضٌ ولا مالحٌ ولا حِرِّيف٥؛ لأنه كان يُحِيلُ٦ تلك الطُّعومَ إلى طعمه فلا يحصلُ به مقصوده.
(٥) وهو الذي يلذعُ اللسانَ بحرارة مذاقه. «اللسان» (حرف).
(٦) (ن، ح): «يتحلل». تحريف.
وأُعِينَت حاسَّةُ اللَّمس بقوَّةٍ جعلها الله فيها تُدْرِكُ بها الملموسات، ولم تحتَجْ إلى شيءٍ من خارج، بخلاف غيرها من الحواسِّ، بل تُدْرِكُ الملموسات بلا واسطةٍ بينها وبينها؛ لأنها إنما تدركُها بالاجتماع١ والملامسة، فلم تحتج إلى واسطة.
فصل٢
فتأمَّل٣ حال من عَدِمَ البصر، وما ينالُه من الخلل في أموره، فإنه لا يعرفُ موضعَ قدمه، ولا يبصرُ ما بين يديه، ولا يفرِّقُ بين الألوان والمناظر الحسنة من القبيحة، ولا يتمكَّنُ من استفادة علمٍ من كتابٍ يقرؤه، ولا يتهيَّأ له الاعتبارُ والنَّظرُ في عجائب مُلك الله.
هذا مع أنه لا يشعرُ بكثيرٍ من مصالحه ومضارِّه؛ فلا يشعرُ بحفرةٍ يهوي فيها، ولا بحيوانٍ يقصدُه، كالسَّبُع، فيحترزُ منه٤، ولا بعدوٍّ يهوي نحوه ليقتلَه، ولا يتمكَّنُ من هربٍ إن طُلِبَ٥، بل هو مُلْقٍ السَّلَم لمن رامه بأذى، ولولا حفظٌ خاصٌّ من الله له قريبٌ من حفظ الوليد وكلاءته لكان عطبُه إليه أقربَ من سلامته؛ فإنه بمنزلة لحمٍ على وَضَم٦، ولذلك جعل الله ثوابَه إذا
(١) (ق، ت): «يدركها الاجتماع». وأهمل حرف المضارعة في (د).
(٦) هذا مثلٌ يضربُ في الانقياد والذُّل، يقال: أضيَعُ من لحمٍ على وَضَم. انظر: «شرح الحماسة» للمرزوقي (٢٠٧)، و«جمهرة الأمثال» (٢/ ٣)، و«اللسان» (وضم). والوَضَم: كلُّ شيء يوضع عليه اللحمُ يوقى به من الأرض.