وأما من عَدِم البيانَيْن: بيانَ القلب وبيانَ اللسان١، فذلك بمنزلة الحيوانات البهيميَّة، بل هي أحسنُ حالًا منه؛ فإنَّ فيها ما خُلِقَت له من المنافع والمصالح التي تُستعملُ فيها، وهذا يجهلُ كثيرًا مما تهتدي إليه البهائم، ويُلْقِي نفسَه فيما تكفُّ البهائمُ أنفسَها عنه.
وإن عَدِم بيانَ اللسان دون بيان القلب عَدِم خاصَّةَ الإنسان، وهي النُّطق، واشتدَّت المؤنةُ به وعليه، وعَظُمَت حسرتُه، وطال تأسُّفه على ردِّ الجواب ورَجْع الخطاب، فهو كالمُقْعَد الذي يرى ما هو محتاجٌ إليه ولا تمتدُّ إليه يدُه ولا رجلُه.
فكم لله على عبده من نعمةٍ سابغةٍ في هذه الأعضاء والجوارح والقُوى والمنافع التي فيه٢، فهو لا يلتفتُ إليها ولا يشكرُ الله عليها، ولو فقد شيئًا منها لتمنَّى أنه له بالدُّنيا وما عليها؛ فهو يتقلَّبُ في نعم الله بسلامة أعضائه وجوارحه وقُواه وهو عارٍ مِنْ شُكرها، ولو عُرِضت عليه الدُّنيا بما فيها بزوال واحدةٍ منها لأبى المعاوضةَ وعَلِم أنها معاوضةُ غَبْنٍ؛ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾[إبراهيم: ٣٤].
فصل٣
ثمَّ تأمَّل حكمتَه في الأعضاء التي خُلِقَت فيك آحادًا ومثنى وثُلاث
فالرَّأسُ واللسانُ والأنفُ والذَّكَرُ خُلِق كلٌّ منها واحدًا فقط، ولا مصلحة في كونه أكثر من ذلك، ألا ترى أنه لو أضيف إلى الرَّأس رأسٌ آخرُ لأثقلا بدنَه من غير حاجةٍ إليه؛ لأنَّ جميع الحواسِّ التي يحتاجُ إليها مجتمعةٌ في رأسٍ واحد، ثمَّ إنَّ الإنسان كان ينقسمُ برأسيه قسمين، فإن تكلَّم من أحدهما وسَمِع به وأبصر وشَمَّ وذاق بقي الآخرُ معطَّلًا لا أَرَبَ فيه، وإن تكلَّم وأبصر وسمع بهما معًا كلامًا واحدًا وسمعًا واحدًا وبصرًا واحدًا كان الآخرُ فضلةً لا فائدة فيه، وإن اختلف إدراكُهما اختلفت عليه أحوالُه وإدراكاتُه.
وكذلك لو كان له لسانان في فمٍ واحد، فإن تكلَّم بهما كلامًا واحدًا كان أحدهما ضائعًا، وإن تكلَّم بأحدهما دون الآخر فكذلك، وإن تكلَّم بهما معًا كلامَيْن مختلفَيْن خَلَط على السَّامع ولم يَدْرِ بأيِّ الكلامين يأخذ.
وكذلك لو كان له هَنَوانِ١ أو فَمَانِ لكان ــ مع قُبح الخِلْقة ــ أحدُهما فضلةً لا منفعة فيه.
وهذا بخلاف الأعضاء التي خُلِقت مثنى، كالعينين والأذنين والشَّفتين واليدَيْن والرِّجلين والسَّاقين والفَخِذين والوَرِكين والثَّديين؛ فإنَّ الحكمة فيها ظاهرة، والمصلحة فيها بيِّنة٢، والجمال والزِّينة عليها بادية، فلو كان الإنسانُ بعينٍ واحدةٍ لكان مشوَّه الخِلقة ناقِصَها، وكذلك الحاجبان.
وأما اليدان والرِّجلان والسَّاقان والفَخِذان فتعدُّدهما ضروريٌّ للإنسان