ولهذا يوجدُ في النَّوع الإنسانيِّ مِنْ زائدٍ في خَلْقِه١ وناقصٍ منه ما يدلُّ على حكمة الربِّ تعالى، وأنه لو شاء لجعل خلقَه كلَّهم هكذا، وليَعْلَم الكاملُ الخِلقة تمامَ النِّعمة عليه، وأنه خُلِق خلقًا سويًّا معتدلًا، لم يُزَد في خَلْقه ما لا يحتاجُ إليه، ولم يُنْقَص منه ما يحتاجُ إليه كما يراه في غيره، فهو أجدرُ أن يزداد شكرًا وحمدًا لربِّه، ويعلم أنَّ ذلك ليس مِنْ صُنع الطَّبيعة، وإنما ذلك صنعُ الله الذي أتقنَ كلَّ شيء، وأنه يخلقُ ما يشاء.
فصل٢
مِنْ أين للطَّبيعة هذا الاختلافُ والفَرقُ الحاصلُ في النَّوع الإنسانيِّ بين صُوَرهم؟! فقلَّ أن ترى اثنين متشابهين٣ من كلِّ وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان، كالنَّعم والوحوش والطَّير وسائر الدَّوابِّ؛ فإنك ترى السِّربَ من الظِّباء، والثُّلَّة من الغنم، والذَّوْد من الإبل، والصُّوار من البقر٤، تتشابهُ حتى لا يفرَّق بين أحدٍ منها وبين الآخر إلا بعد طول تأمُّلٍ أو بعلامةٍ ظاهرة، والنَّاسُ مختلفةٌ صُوَرهم وخلقُهم٥، فلا يكادُ اثنان منهم يجتمعان في صفةٍ واحدةٍ وخِلقةٍ واحدة بل ولا صوتٍ واحدٍ٦
والحكمةُ البالغةُ في ذلك أنَّ النَّاس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحِلاهم٢؛ لما يجري بينهم من المعاملات، فلولا الفرقُ والاختلافُ في الصُّوَر لفسدت أحوالهم، وتشتَّت نظامُهم، ولم يُعرَف الشاهدُ من المشهود عليه، ولا المَدِينُ من ربِّ الدَّين، ولا البائعُ من المشتري، ولا كان الرَّجلُ يعرفُ عِرْسَه٣ من غيرها عند الاختلاط٤، ولا هي تعرفُ بعلَها من غيره. وفي ذلك أعظمُ الفساد والخلل.
فمن الذي ميَّز بين حِلاهم وصُوَرهم وخلقهم٥ وأصواتهم، وفرَّق بينها بفروقٍ لا تنالها العبارةُ ولا يدركُها الوصف؟!
فسَل المعطِّل: أهذا فعلُ الطَّبيعة؟! وهل في الطَّبيعة اقتضاءُ هذا الاختلاف والافتراق٦ في النَّوع؟!
وأين قولُ الطَّبائعيِّين: إنَّ فعلها متشابهٌ لأنها واحدةٌ في نفسها، لا تفعلُ بإرادةٍ ولا مشيئة، فلا يمكنُ اختلافُ أفعالها؟! فكيف يجمعُ المعطِّل بين هذا وهذا؟! ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج: ٤٦].
(١) انظر: «الطرق الحكمية» (٦٠٣).
(٢) خِلقتهم وصُوَرُهم. جمع «حِلية». «اللسان» (حلا).
(٣) العِرْس: الزوج، يقال: هو عِرْسُها، وهي عِرْسُه. «اللسان» (عرس).