وربَّما وقع في النَّوع الإنسانيِّ تشابهٌ بين اثنين لا يكادُ يميَّز بينهما، فتعظُم عليهم المؤنةُ في معاملتهما، وتشتدُّ الحاجةُ إلى تمييز المستحقِّ منهما والمؤاخَذ بذنبه ومن عليه الحقُّ١، وإذا كان يَعْرِضُ هذا في التَّشابه في الأسماء كثيرًا، ويلقى الشاهدُ والحاكمُ من ذلك ما يلقى، فما الظنُّ لو وُضِعَ التشابُه٢ في الخِلقة والصُّورة؟!
ولمَّا كان الحيوانُ البهيمُ والطَّيرُ والوحوشُ لا يضرُّها هذا التَّشابهُ شيئًا لم تَدْعُ الحكمةُ إلى الفرق بين كلِّ زوجين منها.
فتبارك الله أحسنُ الخالقين، الذي وسعت حكمتُه كلَّ شيء.
فصل٣
ثمَّ تأمَّل لم صارت المرأةُ والرجلُ إذا أدركا اشتركا في نبات العانة، ثمَّ ينفردُ الرجلُ عن المرأة باللِّحية؟
فإنَّ الله ﷿ لمَّا جعل الرجل قيِّمًا على المرأة، وجعلها كالخَوَل له والعاني في يديه٤، ميَّزه عليها بما فيه له المهابةُ والعزُّ والوقارُ والجلالة؛ لكماله وحاجته إلى ذلك، ومُنِعَتها المرأةُ لكمال الاستمتاع بها والتلذُّذ؛
(٤) الخَوَل: العبيد والإماء وغيرُهم من الحاشية. والعاني: الأسير. وفي وصية النبي ﷺ بالنساء في خطبة حجة الوداع: «واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوانٍ عندكم». أخرجه الترمذي (١١٦٣) وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. ومعنى قوله عوانٍ عندكم يعني: أسرى في أيديكم».
لتبقى١ نضارةُ وجهها وحُسْنُه لا يَشِينُه الشَّعر.
واشتركا في سائر الشُّعور للحكمة والمنفعة التي فيها.
فصل٢
ثمَّ تأمَّل٣ هذا الصَّوتَ الخارجَ من الحلق وتهيئةَ آلاته، والكلامَ وانتظامَه، والحروفَ ومخارجَها وأدواتها ومقاطعَها وأجراسَها= تجد الحكمةَ الباهرة في هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الجوف، فيسلكُ في أنبوبة الحنجرة، حتى ينتهي إلى الحلق واللسان والشفتين والأسنان، فيحدثُ له هناك مقاطعُ ونهاياتٌ وأجراس، يُسْمَعُ له عند كلِّ مقطعٍ ونهايةٍ جَرْسٌ متميزٌ منفصلٌ عن الآخر، يحدثُ بسببه الحرف٤.
فهو صوتٌ واحدٌ ساذَجٌ يجري في قَصَبةٍ واحدةٍ حتى ينتهي إلى مقاطع وحدودٍ تُسمَعُ له منها تسعةٌ وعشرون جَرْسًا، يدورُ عليها الكلامُ كلُّه: أمرُه ونهيُه، وخبرُه واستخبارُه، ونظمُه ونثرُه، وخطبُه ومواعظُه وفصولُه.
فمنه المضحِك، ومنه المبكِي، ومنه المُؤْيِس، ومنه المُطْمِع، ومنه المخوِّف، ومنه المرجِّي، والمسلِّي، والمُحْزِن، والقابضُ للنَّفس والجوارح، والمنشِّطُ لهما، والذي يُسْقِمُ الصَّحيحَ ويُبرِاءُ السَّقيم، ومنه ما يزيلُ النِّعمَ ويُحِلُّ النِّقم، ومنه ما يُستَدفعُ به البلاء، ويُستَجلبُ به النَّعماء،