واشتركا في سائر الشُّعور للحكمة والمنفعة التي فيها.
فصل٢
ثمَّ تأمَّل٣ هذا الصَّوتَ الخارجَ من الحلق وتهيئةَ آلاته، والكلامَ وانتظامَه، والحروفَ ومخارجَها وأدواتها ومقاطعَها وأجراسَها= تجد الحكمةَ الباهرة في هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الجوف، فيسلكُ في أنبوبة الحنجرة، حتى ينتهي إلى الحلق واللسان والشفتين والأسنان، فيحدثُ له هناك مقاطعُ ونهاياتٌ وأجراس، يُسْمَعُ له عند كلِّ مقطعٍ ونهايةٍ جَرْسٌ متميزٌ منفصلٌ عن الآخر، يحدثُ بسببه الحرف٤.
فهو صوتٌ واحدٌ ساذَجٌ يجري في قَصَبةٍ واحدةٍ حتى ينتهي إلى مقاطع وحدودٍ تُسمَعُ له منها تسعةٌ وعشرون جَرْسًا، يدورُ عليها الكلامُ كلُّه: أمرُه ونهيُه، وخبرُه واستخبارُه، ونظمُه ونثرُه، وخطبُه ومواعظُه وفصولُه.
فمنه المضحِك، ومنه المبكِي، ومنه المُؤْيِس، ومنه المُطْمِع، ومنه المخوِّف، ومنه المرجِّي، والمسلِّي، والمُحْزِن، والقابضُ للنَّفس والجوارح، والمنشِّطُ لهما، والذي يُسْقِمُ الصَّحيحَ ويُبرِاءُ السَّقيم، ومنه ما يزيلُ النِّعمَ ويُحِلُّ النِّقم، ومنه ما يُستَدفعُ به البلاء، ويُستَجلبُ به النَّعماء،
(٤) (ح): «تحدث بسبب الحروف». (ت): «يحدث شبيه الحرف».
ويستمالُ به القلوبُ، ويؤلَّفُ١ بين المتباغضين، ويُوالى بين المتعاديين، ومنه ما هو بضدِّ ذلك، ومنه الكلمةُ التي لا يلقي لها صاحبُها بالًا يهوي بها في النَّار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب، والكلمةُ التي لا يلقي لها بالًا صاحبُها يَرْكُض بها في أعلى عِلِّيِّين في جوار ربِّ العالمين.
فسبحان من أنشأ ذلك كلَّه من هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الصَّدر، لا يدري ما يرادُ به، ولا أين ينتهي، ولا إلى أين مستقرُّه!
هذا إلى ما في ذلك من اختلاف الألسنة واللُّغات التي لا يحصيها إلا الله ﷿، فيجتمعُ الجمعُ من النَّاس من بلادٍ شتَّى فيتكلَّمُ كلٌّ منهم بلُغَته، فتسمعُ لغاتٍ مختلفةً٢ وكلامًا منتظمًا مؤلَّفًا، ولا يدرِكُ كلٌّ منهم ما يقولُ الآخر.
واللسانُ الذي هو جارحةٌ واحدٌ في الشَّكل والمنظر، وكذلك الحلقُ والأضراسُ والشَّفتان، والكلامُ مختلفٌ متفاوتٌ أعظمَ اختلاف٣، فالآيةُ في ذلك كالآية في الأرض التي تسقى بماءٍ واحد، ويخرجُ من ذلك من أنواع النَّبات والأزهار والحبوب والثمار تلك الأنواعُ المختلفةُ المتباينة.
ولهذا أخبر الله سبحانه في كتابه أنَّ في كلٍّ منهما آياتٍ٤؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
(١) (ت): «ويتألف».
(٢) (ت): «فيتكلم كل منهم بكلام بلغته فيسمع كلامًا بلغات شتى مختلفة».