مفتاح دار السعادة

ويستمالُ به القلوبُ، ويؤلَّفُ١ بين المتباغضين، ويُوالى بين المتعاديين، ومنه ما هو بضدِّ ذلك، ومنه الكلمةُ التي لا يلقي لها صاحبُها بالًا يهوي بها في النَّار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب، والكلمةُ التي لا يلقي لها بالًا صاحبُها يَرْكُض بها في أعلى عِلِّيِّين في جوار ربِّ العالمين.

فسبحان من أنشأ ذلك كلَّه من هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الصَّدر، لا يدري ما يرادُ به، ولا أين ينتهي، ولا إلى أين مستقرُّه!

هذا إلى ما في ذلك من اختلاف الألسنة واللُّغات التي لا يحصيها إلا الله ﷿، فيجتمعُ الجمعُ من النَّاس من بلادٍ شتَّى فيتكلَّمُ كلٌّ منهم بلُغَته، فتسمعُ لغاتٍ مختلفةً٢ وكلامًا منتظمًا مؤلَّفًا، ولا يدرِكُ كلٌّ منهم ما يقولُ الآخر.

واللسانُ الذي هو جارحةٌ واحدٌ في الشَّكل والمنظر، وكذلك الحلقُ والأضراسُ والشَّفتان، والكلامُ مختلفٌ متفاوتٌ أعظمَ اختلاف٣، فالآيةُ في ذلك كالآية في الأرض التي تسقى بماءٍ واحد، ويخرجُ من ذلك من أنواع النَّبات والأزهار والحبوب والثمار تلك الأنواعُ المختلفةُ المتباينة.

ولهذا أخبر الله سبحانه في كتابه أنَّ في كلٍّ منهما آياتٍ٤؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ

  1. (١) (ت): «ويتألف».
  2. (٢) (ت): «فيتكلم كل منهم بكلام بلغته فيسمع كلامًا بلغات شتى مختلفة».
  3. (٣) (ح، ن): «أعظم تفاوت».
  4. (٤) (ن، ح): «آيات للعالمين».
763

لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].

فانظر الآن إلى الحَنجَرة، كيف هي كالأنبوب لخروج الصَّوت، واللسانُ والشَّفتان والأسنانُ لصياغة١ الحروف والنَّغَمات.

ألا ترى أنَّ من سقطت أسنانُه لم يُقِم الحروفَ التي تخرجُ منها ومن اللسان، ومن نقصت شفتُه كيف لم يُقِم الحروفَ الشفهيَّة٢، ومن ثقُل لسانُه٣ كيف لم يُقِم الرَّاء واللام والذال، ومن عرضت له آفةٌ في حلقه كيف لم يتمكَّن من الحروف الحلقيَّة؟!

وقد شبَّه أصحابُ التَّشريح مخرجَ الصَّوت بالمزمار، والرِّئةَ بالزِّقِّ الذي يُنفَخُ به٤ مِنْ تحته ليدخل الرِّيح فيه، والعضلات٥ التي تَقْبِض٦ على الرِّئة ليخرجَ الصَّوتُ من الحَنجَرة بالأكُفِّ٧ التي تقبض على الزِّقِّ حتى يخرجَ الهواءُ في القَصَبة، والشفتين والأسنانَ واللسانَ التي تَصُوغُ الصَّوتَ

  1. (١) (ت): «لصناعة». (ح، ن): «بصياغة».
  2. (٢) (ض): «لم يصحح الفاء». (ر): «من تقضب شفته لم يصح الفاء».
  3. (٣) (ت): «نقص لسانه».
  4. (٤) (ت، ق): «فيه». والزِّقُّ: وعاءٌ من جِلد.
  5. (٥) في الأصول: «والفضلات». تحريف. والتصويب من (ر، ض). وانظر: «شرح تشريح القانون» لابن النفيس (٥٤، ٦٣، ١٢٢، ١٣٠، ٢٨٤).
  6. (٦) (ق، ت): «تفيض».
  7. (٧) (ض): «بالأصابع».
764

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي